English

سجل الزوار

 اضفنا للمفضلة

اتصلوا بنا

الرئيسية

 

 
 

  أيُّهما تختار: إرادة الله أم ارادتها؟

 
 


لقد علّمتنا الأيام أن كلّ جميل لابدّ أن يكون صعباً، وأن كلّ صعب يكون جميلاً. وقد كان ما أوحت به العذراء من رؤى وايحاءات غاية في الحسن والروعة. وربما نغبّط الرائية على النعم التي نالتها. ولكن موقفها كان صعباً، فكيف سيقدر لها أن تنفذ أوامر السيدة، ومعالم الطريق غير واضحة أمامها؟ وهنا يكمن ايمانها ورجاؤها، لأن موقفها كان حرجاً لا ترى له منفذاً. فمن ناحية كانت أوامر السيدة العذراء جازمة لا تحتمل الجدل، ولا بدّ من تنفيذها على عجل. ومن ناحية أخرى كان يبدو صعباً على الراهبة أن تقلب ظهر المجن لرهبانية القديس يوسف وهي ملتزمة تجاهها بالنذور الثلاثة، وقد أولع بها قلبها حتى الهيام، وخدمتها خدمات جلّى، بتفان مذهل ونجاح يشهد له القاصي والداني.


اما رؤساؤها فلم يكونوا على علم بأمر الإيحاءات الروحية والرسالة التي وكلّتها العذراء اليها. فكيف لهم اذاً أن يسهّلوا لها الطريق؟ إن كلّ خطوة في الاتجاه الجديد ستُحسب والحالة هذه فراراً من الخدمة وخيانة لا تُغتفر. إلاّ أن أمانتها للعذراء كانت أقوى وأمتن من كلّ العقبات ولن يفصلها عن محبتها لا الموت ولا اتهامها بالخيانة والجحود. وقد قيل بحق: "الحب أقوى من الموت".


أمام هذا المأزق الحرج اتخذت الأم ألفونسين القرار التالي:


"عزمت حباً لمريم واكراماً لها أن أطيع صوتها وأضحي بذاتي في رهبانية الوردية، واثقة بمعونة أمي ومعتقدة أنها تصحبني دائماً وتعضدني” (مخطوط أول ص 47). تذكرت انها قبل ثلاث سنوات طلبت الى العذراء أن تختار أختها حنّة لتؤآزرها في المهمة الجديدة فوعدتها خيراً. ولكن اعتناق أختها للحياة الرهبانيّة لن يغيّر من وضعها الحرج قيد أنملة. ثم أخذ ضميرها يبكتها بشدّة لتخاذلها في طاعة العذراء. وازداد هذا الشعور حدّة لأنه طرأ أمر جديد وصفته لنا بنفسها: "كان قلبي مضطرباً وصوت خفيّ يناجيني قائلاً: تمّمي ارادة أمك. وبعد هذا مرضت اختي ريجينا مرضاً مروّعاً حسبته قصاصاً لي لأني أهملت الدعوة الى رهبانية الوردية وتشبثت برهبانية القديس يوسف وبراحتي. وخفت الألم المزمع أن يحلّ بي من جراء ذلك" (مخطوط أول ص 49). وبالفعل كانت الأخت ماري ألفونسين لا تزال تقدّر عميق ارتباطها براهبات القديس يوسف وعظيم محبتها لجمعيتها الأولى. ونتيجة لذلك، استولت عليها الحيرة وتنازعتها الأفكار، وتردّدت بين دعوتين لا تدري أيهما تختار. وها هي الآن تتلّمس طريقها في الظلام وقد عبرّت عن تردّدها بقولها: "وصرت أقصد تارة، وأخالف قصدي تارة أخرى، وأريد مرّة ومرّة أخرى لا اريد" (مخطوط أول ص 49)..وما كان أشدّ حاجتها الى مرشد يهديها الطريق القويم. وعندما فوجئت بمرض أختها ريجينا، كانت قد بلغت أقصى درجات الارتباك. وذات مرّة كانت الأمور أقوى من أن تتحمّلها طاقتها البشرية، فجثت على ركبتيها ووعدت العذراء بتتميم إرادتها على الفور إن هي منّت على أختها بالشفاء.


وشفيت المريضة بأعجوبة. وحسبت الراهبة شفاءها استجابة من العذراء لسؤلها. فلم يبق عليها سوى اتخاذ الإجراءات اللازمة كي يعفيها الكرسي الرسولي من التزاماتها في جمعية القديس يوسف. وكان ذاك يتطلب مساندة مرشد ثاقب الرأي، مسموع الكلمة. وبالإضافة الى المرشد كان لا بدّ ايضاً من مندوب عن الكنيسة، ذي مؤهلات عالية، قادر على الأخذ بزمام الجمعيّة الجديدة وقد حان الوقت لانشائها. ومرّة أخرى توجهت الأخت ماري ألفونسين نحو العذراء وطلبت اليها ان تدلّها بنفسها على المرشد الملائم لها وللمشروع. وقد علّقت على المرشد أهميّة كبيرة لأنها لم تنس ما سبّبه لها قبل سنوات الإرشاد السطحي المرتجل، فآثرت هذه المرّة ان تتدخّل العذراء بنفسها في الأمر. أما من ستنتدبه الكنيسة لإرساء أساس المشروع الجديد، فقد هداها تفكيرها الى نتيجة ايجابية. فبما أن الرهبانية مشروع وطني خاص بالفتيات العربيات فلا بدّ اذاً من كاهن عربي ذي المام بعقلية هذا البلد.

 
"وكنت أسألها أن يكون من تختاره من أبناء جنسنا الشرقيين... وكنت أصلي وأبكي وأتنهد وأقول: يا أمي من هو؟ ولمن أبلّغ سرّك؟” (مخطوط أول ص 49). وبينما كانت مضطربة حائرة تراءت لها العذراء في حلم وابنها بين ذراعيها. وللّه درّ هذه الأحلام العظيمة المغزى، الباعثة في النفس الراحة والطمأنينة! فقلت لها: “يا امي أسعفيني وأنيري سبيلي”. فأجابت: “أما فهمت بعد؟ هوذا المرشد الذي أوحيت اليك به في الرؤيا. انه الأب يوسف طنوس الذي وضعت اكليل النجوم على رأسه، وأعطيك إياه مرشداً ومدبّراً لك. وأنا أعينه وأجعله يهتمّ ويعتني برهبانية الوردية” (مخطوط أول ص 50).
شدّ هذا الحوار أزرها فما كان منها إلاّ أن سعت بدون تأخر الى مرشدها الجديد وصارحته بكلّ شيء. وفي المستقبل، وعلى أثر رؤى لاحقة سوف تطلعه على أمور أخرى تتعلّق بشخصه وبدوره في تأسيس رهبانية الوردية وإدارتها.

 
وفي يوم السبت الموافق 24 تموز، التأمت الأسرة الرهبانيّة الصغيرة المؤلّفة من: ريجينا داود كارمي، عفيفة حنا متيا أبو صوّان، جليلة توما عبيس، حنة دانيل غطاس، وأمينة عيسى حبش، وعلى رأسها الأب يوسف طنوس الذي جاء ليبارك البيت الجديد، فدخلته الفتيات بعد تقبيل أعتابه، ثم جثون على الأرض بخشوع، وأنشدن نشيد العذراء: "تعظم نفسي الربّ". وكان البيت فقيراً للغاية. واقتصرت الوجبة الأولى على الخبز والزعتر. وكان الفرح يغمر قلوبهنّ حتى حال بينهنّ وبين النوم. وكأني بهنّ يقلن للربّ: "لقد صرت فقيراً لنغتني بفقرك، وتجردّت من ذاتك، لنشاركك المجد بتواضعك".

 
وهنا يجب القول ان الإقدام على مثل هذه الخطوة وهي خروجها من رهبانية القديس يوسف للانضمام الى الرهبانيّة الجديدة كان سيخلق مشكلة شائكة. فانتقال راهبة من جمعية الى أخرى يحتاج الى تدخل الرؤساء والسلطات الدينية العليا ودراسة مستفيضة تعرض نتيجتها على الحبر الأعظم لاتخاذ القرار المناسب. وكانت الرئيسة المحلية في غنى عن ذلك الإزعاج الذي لا فائدة منه، ولا شكّ في أن الأمر كان سيثير الذعر لو وقف الرؤساء على حقيقة الدور الذي مثلته الأخت ماري ألفونسين في تأسيس الرهبانيّة الجديدة. ومن حسن طالعها أن أحدا لم يشعر بالأمر فقد كانوا في غفلة تامة عن النعم التي حظيت بها من قبل العذراء. وعلى كلّ حال كان على الرئيسة العامّة أن تتدارس الموضوع مع البطريرك. وكان البطريرك براكّو آنذاك قد ذهب الى روما في زيارة رسمية (ad limina).


وعملا بمشورة الأب يوسف طنوس مرشدها، توجهت الأخت ماري ألفونسين الى النائب البطريركي العام المنسنيور باسكال ابوديا وعرضت عليه قضيتها بالتفصيل. فارتأى أن يتيح للجميع فرصة للتفكير. وفي الوقت نفسه أخذت الراهبة تكتب تقريرها للرئيسة العامة، وجعلت تعدّ كتاباً مشابهاً موجهاً الى قداسة البابا لاون الثالث عشر متوسلة اليه أن يعفيها من نذر الطاعة لجمعيّة القديس يوسف وأن يأذن لها بدخول رهبانية الوردية. وبعثت بالكتاب الى البطريرك براكّو في روما ورجته أن يكون لسان حالها في الدوائر المختصة.


بدا كلّ هذا في نظر راهبات القديس يوسف كأنه نتيجة مؤامرة حيكت خيوطها في الخفية. ولجهلهنّ الاسباب الحقيقيّة، ظننّ أن الراهبة ركبت هواها واستسلمت لتجربة الالتحاق بأختيها حنّة وريجينا في الرهبانيّة الجديدة. وتداركاً لحدوث مثل هذه الخيانة للواجب، وجّهن بدورهنّ كتاباً الى الكرسي الرسولي بوساطة الكاردينال المفوّض برعاية شؤون الرهبانيّة هناك. وهكذا نقل الطرفان قضيتهما الى روما، وهما يظنان أنهما لا يفعلان إلاّ خيراً. ولذا لا يجوز أن نتهم أياً منهما بسوء النيّة. وقد يحدث في تدبير الله الذي لا يستقصى، أن يختصم القدّيسون ويكون بعضهم لبعض سبب ألم ومضايقات.


وعالجت روما القضيّة بايفاد زائر رسولي الى الأرض المقدسة. وفي غضون ذلك أي في الثاني عشر من أيلول عام 1880 استصدر غبطته إذناً يخوّله إعفاء الأخت ماري ألفونسين من نذر الطاعة. وقد نقل اليها النبأ على أثر عودته الى القدس في كتابه المؤرّخ في الثاني عشر من تشرين الأول. كما أمرها بان تحتفظ باسمها، على ان تدعى منذئذ وصاعداً بالأخت ماري ألفونسين للوردية. وبما ان رهبانية الوردية كانت لا تزال في طور التأسيس، وبسبب توقّع قدوم الزائر الرسولي، فقد أوصاها البطريرك بان تلزم بيتها الوالدي ريثما تسنح لها الظروف بالانضمام الى الرهبانيّة الجديدة. وفي غضون هذه المرحلة الانتقالية، حظيت بزيارات كثيرة من السيّدة العذراء تشجيعاً لها وترسيخاً لايمانها ورجائها. وكان يؤلمها كثيراً العيش في منأى عن الحياة الرهبانيّة المنتظمة لا سيمّا وقد طالت حالتها المؤقتة، ولكي يخفّف البطريرك عنها وطأة الوحدة ومرارة الانتظار وعدها ذات مرّة بقوله: "ان شاء الله، ستتشحين قريباً بثوب رهبانية الوردية، وستذهبين حالاً الى السلط لافتتاح مدرسة هناك، فتزول عندئذ أسباب امتعاض راهبات مار يوسف لهجرك إياهنّ". ودام انتظارها ثلاث سنوات خالتها دهراً طويلاً. كما طال انتظار راهبات الورديّة أنفسهنّ وكنّ لا يزلن في حالة مؤقتّة (مخطوط أول، ص 56-59).


وعندما وصل الزائر الرسولي الى القدس للتوسّط بين الفرقاء، لقيها بين أهلها وذويها. فأيّد مواقف البطريرك السابقة من القضيّة وأنصف رهبانية الورديّة ومؤسّسيها: الأب يوسف طنوس والأخت ماري ألفونسين. وفي تموز عام 1883 سمح لها بالانضمام الى فوج بتولات الوردية لتكون الراهبة العاشرة ويتبادر الى ذهننا الآن أن الراهبة في احدى الرؤى رأت اسمها مكتوباً على النافذة العاشرة مقترناً بصلب المسيح وموته وهو السّر العاشر من أسرار الوردية. وأخيراً دخلت ديرها الجديد بأمر البطريرك، وأبت إلاّ أن تقبّل أعتابه الشريفة. وصادف ذلك موعد الرياضة الروحية السنوية فاشتركت فيها. ومرّت ثلاثة أشهر. ولمّا أزفّ يوم الأحد الموافق السادس من تشرين الأول وهو عيد سيدّة الوردية، توشحّت بثوب الرهبانيّة. وقد عبّرت عن فرحتها بقولها: "يا له من يوم سعيد حصلت فيه على راحة قلب حقيقية". وأوضحت سبب إرتياحها بقولها: "لأني أتممت إرادة الهي وأكملت أوامر أميّ التي أنعمت عليّ بنعم لا تعدّ ولا تحصى. وقد كنت أشكرها دائما بقلب حار”
(مخطوط أول، ص 59).


وأخيراً وصلت الأخت ماري ألفونسين الى شاطىء السلامة. وكان لها من العمر أربعون عاماً قضت نصفها في رهبانية القديس يوسف واعتكفت مدة ثلاث سنين حبيسة في بيتها الوالدي. وها هي تستهلّ حياة جديدة مليئة بالالسنة الشريرة التي لم تتوان لحظة عن ترويج شائعات نالت من سمعتها، واتهمتها بالخيانة لجمعيتها الأولى. وكان يشار اليها كإنسانة لا يجوز إئتمانها على سّر أو تصديقها في خبر. فتعرضت للإضطهادات من رئيستها ومعلمتها الابتداء، فتقبلت شتى أنواع التأنيب والتقريع، وخضعت للإجراءات التأديبية، واحتملت الاستهزاء والسخريّة من أخواتها اللواتي تهمّهنّ مظاهر الحسن والجمال ولا يلتفتن الى جوهر الإنسان وجماله من الداخل. فجابهت كلّ هذا بقولها: "أنا ذبيحة الوردية. إن الربّ لا ينظر كما ينظر الإنسان، فإن الإنسان انما ينظر الى الظواهر (العينين)، وأما الربّ فانه ينظر الى القلب" (1 صموئيل 16: 7ب).


يتبع...