English

سجل الزوار

 اضفنا للمفضلة

اتصلوا بنا

الرئيسية

 

 
 

المولود فيها ... إنما هو من الروح القدس

 
 

 

أحبّت الراهبة ألفونسين مريم العذراء وتعبّدت لها وأحبّت تلاوة السبحة الوردية التي اعتادتها منذ أيام طفولتها في البيت الوالدي. فكانت بها تسبّح الله الذي صنع العظائم بمريم وتهنئ أمها السماوية بما نالته. وغدت الوردية صلاتها المفضّلة التي تقضي فيها جميع أوقات فراغها سواء أكان في الكنيسة أم في الدير أم في الشارع. فلا عجب إذا كافأتها مريم العذراء وظهرت لها مراراً عديدة. وها نحن أولاً ندرج بعض هذه الظهورات كما ورد وصفها بقلم ألفونسين في مذكراتها:

" في السادس من كانون الثاني 1874، يوم عيد الغطاس[1]، كنت أتلو السبحة الوردية على انفراد في محل مزيّن للاحتفال بعيد ميلاد ربنا يسوع المسيح له السجود، وذلك في المدرسة الراعوية في بيت لحم. فما وصلت  إلى تلاوة السر العاشر من أسرار الوردية، وأنا أتأمل فيه بإمعان، حتى شعرت بقلبي يضطرم اضطراماً شديداً بمحبة أمي مريم البتول، وتجلّى لي بغتةً نور عظيم بهيّ جميل لا يسعني وصفه وظهرت لي فوراً أمي الحبيبة سيدة الوردية بشكل الصورة التي أثبتها فيما بعد . فقد رأيتها منتصبة وسط غيم يتلألأ نوراً. وشاهدت يديها مبسوطتين ولونها أبيض لامعاً يتعذر علي وصفه وشرح جماله؛ وكانت السبحة الوردية معلقة على صليب يزين صدرها وهي منحدرة على يديها وعلى قامتها بهيئة مستديرة. ورأيت في عقدة[2] بيوت المسبحة أنوار نجوم، يتوسط كل نجمة السر المختص بهِ، يمثل السر تمثيلاً جميلاً بهيئته. ولاحت لي أبيات الوردية الخمسة عشر في وقت واحد مع ظهور أمي الحلوة وكان فوق هامتها اكليل من نجوم مؤلّف من خمس عشر نجمة؛ وتحت قدميها سبعة أنجم غائصة في الغيم تمثّل أسرار فرح مريم البتول وتحتها في الغيم أيضاً سبعة أنجم أخرى تمثّل أسرار أحزان مريم أمي وقد نظرت هذه المناظر كلها في وقت واحد.

"آه! ما أسعد ذلك الوقت! وما أعذب ما شعر به قلبي من الشغف والحب مما يتعذر عليّ شرحه! يا لها أماً جميلة لا يتيسر لي وصفها ولا أرى صورة تحاكيها جمالاً وبهاء. على أني ما نظرتها عيني المرة الأولى حتى أخذت أسكب الدموع الغزيرة، وشُغفتُ بمحبتها وانفتحت يديّ وارتفعتا لمعانقتها وضمها إلى قلبي. وبينما كانت تلك العواطف آخذة بمجامع قلبي كنت أراها تزداد لمعاناً ونوراً، وهي تروم الدنو مني. وقد منحتني هدوءاً وحرية لكي أتأملها جيداً فشاهدت الصليب على صدرها والسبحة على ذراعيها ويديها وقامتها كلها ورأيت أسرار الوردية تزداد بهاءً ونوراً وتفعمُني حباً وشجاعة فدنوت منها...

"وبعد هذا لست أدري ما حدث لي، إنما أعرف إني مكثت في هذا الاختطاف الحلو من الساعة التاسعة صباحاً إلى الساعة الأولى بعد الظهر. فغابت عني حالاً وتركتني بهدوء وسلام وتعزية روحية فائقة الوصف واشتياق عظيم إلى رؤيتها ورغبة قلبية شديدة في ممارسة أعمال عظيمة شتى وفضائل وافرة حبّاً للخير العام وحبّاً بها: لا سيما ممارسة الإماتة الداخلية القلبية والانتباه الشديد إلى هذا الصنع النافع الخلاصي. فصرت منذ ذاك أنكر على قلبي حتى كل عاطفة حلوة لذيذة وأميت ذاتي في كل نوع استسهله. ومذ تشرّفت بزيارة أمي الحبيبة أصبحت مجرّدة من كل عاطفة بشرية ومن كل ما يؤول إلى الزوال وغدوت متعطشة إلى احتمال كل صعوبة وكل مشقة مهما كانت. وصرت استحلي كل مرارة وعذاب، وأحسب الانفراد فردوساً لذيذاً والطاعة بهجة لقلبي وروحي. واستسهلت تتميم أوامر رؤسائي ومراسيمهم بمحبة لا توصف".

لله درّها من فوائد جنتها الأخت ألفونسين من ظهور مريم العذراء لها للمرة الأولى. وكأن العذراء وجدت نفساً مستعدة لقبول ما تجود به عليها فشرعت تزورها بين حين وآخر. ففي اليوم الأول من شهر أيار من السنة نفسها، بينما كانت الأخت ألفونسين تسير نحو كنيسة مغارة الحليب[3] وهي تتلو السبحة الوردية، سمعت صوتاً رقيقاً رخيماً يردّد معها التحية قائلاً: "السلام عليكِ يا مريم". رفعت عينيها إلى السماء، فلمحت أمها السماوية مريم العذراء ثلاث مرات. فعادت إلى الدير وهي تشعر بالخجل، لأنها تعتبر نفسها خاطئة وغير أهل لمثل هذا الإنعام الإلهي وسالت دموعها غماً وخوفاً،وتوسّلت إلى الله أن لا يدعها تقع فريسة في شراك الشرير، إذ هي مقتنعة بعدم استحقاقها وبحقارتها.

إلا أن سلطانة الوردية عادت وظهرت لها. كما في السابق ملتحفة بالنجوم، في قاعة الدرس التي رأتها فيها للمرة الأولى لكنها استطاعت هذه المرة أن تقرأ في اكليل مريم العذراء الكتابة: "بتولات الوردية السرية".

ثم إن هذه الإنعامات قد ازدادت في مطلع سنة 1875 ففي مساء يوم عيد الغطاس كانت منفردة في غرفة الدرس نفسها تتأمل في خطاياها وعجزها عن الاقتداء بمريم العذراء وجمال فضائلها، قالت في مذكراتها:

"فلما كانت تتجاذبني مثل هذه الخواطر والعواطف شعرت بأفكاري مجتمعة اجتماعاً غريباً ورأيتني غارقة في بحر جوده تعالى وأبصرت نوراً عظيماً بهياً جميلاً يبهج النظر ولا يزعجه أبداً. فتعزى قلبي إذ ذاك وظهرت لي أمي الحلوة في وسط هذا النور حاملة الوردية كالمرة الأولى، إنما بجمال أبهى وأكمل وشاهدت صفين من البنات إلى يمينها ويسارها هيئتهن كهيئتها وثيابهن كثيابها. ولمحت حروفاً نورية مكتوبة في ذلك النور: "بتولات الوردية – رهبنة الوردية". وإذ ذاك سمعت صوت أمي ضمن قلبي وهي تقول: "أريد أن تبتدئي رهبنة الوردية". وكانت تنظر إليّ نظرة عطوفاً أفعمتني لذة وعذوبة وأسالت الدموع الغزيرة من مقلتي وأصبحت كأني في فردوس سماوي وأوعبتني تعزيات حلوة وغابت. وتركتني على هذه الأرض جريح محبتها. غير أنها بعد هذه الزيارة العجيبة أبقت فيّ أثراً غريباً هو نور مريمي انطبع في عيني لا يسعني إلا السكوت عنده لأنه يتعذر علي شرحه وقد فهمت مما حدث بي معنى هذه الكلمات وهي: أن ما هو مستحيل عند الناس ممكن عند الله...".

انقضت ثلاثة أيام على هذه الحوادث وإذا إحدى بنات الأخوية قد جاءت إلى الأخت ألفونسين وقالت لها:

- خطر اليوم على بالي إلهام في أثناء ذبيحة القداس، لأسألك أن تؤسسي لنا، نحن بنات هذه البلاد، رهبنة باسم الوردية المقدسة.

وفي الأيام التالية تكاثر عدد الفتيات اللواتي أبدين لها هذه الرغبة نفسها. أما هي فكانت دائماً تجيبهن قائلة:

- صلين كثيراً إلى مريم العذراء لتكشف لنا عن إرادة الله الحقيقة وتؤمن لنا الوسائل الضرورية للعمل بموجبها.

    ??????

إنه يمكننا أن نقابل بين هذه الحوادث، التي إنما هي بمنزلة ميلاد فكرة رهبنة الوردية المقدسة، وبين السر الثالث من أسرار الفرح. فقد تمّ ميلاد المسيح تحت رعاية القديس يوسف وحمايته، وكانت اتصالات الله بالقديس يوسف عن طريق الأحلام. كذلك كانت الأحلام تأتي مراراً بتفسير رؤى الراهبة ألفونسين. وفي الحلم أيضاً جاءت مريم تشجّع خادمتها قائلة لها: "إني كما سبقت وأعنتك في إنشاء ثلاث أخويات باسمي، وقد نجحت تلك الأخويات بمعونتي، هكذا أشير عليك أن تنشئي هذه الرهبنة، وأنا أعينك وكوني على ثقة أن أخوية الوردية ورهبنتها ستنجح وتتوطد إلى يوم الدينونة ... أنا أمك أعينك وأساعدك".

 


[1] أثبتنا هذه النصوص على علاقتها، كما وجدناه غي مذكرات الأم ألفونسين، ولم نصحح منها إلا بعض الهفوات اللغوية.

[2] تعني بها حبات السبحة التي تتلى عندها الصلاة الربية.

[3] في هذه الكنيسة كانت أخوية بنات مريم تعقد الاجتماعات وتقيم الصلاة.