English

سجل الزوار

 اضفنا للمفضلة

اتصلوا بنا

الرئيسية

 

 
 

اشراقة سماوية ( الجزء الخامس )

 
 

 
 

 

 

بعد أن قضت الأم ألفونسين في مدينة المهد خمس عشرة سنة زاخرة بالنشاط والحيوية. وكانت مسؤولية المشروع كلّها تقع على عاتقها، فاحتاجت الى قسط من الراحة لا سيما وقد تقدّمت بها السنّ ودخلت العقد السابع من عمرها وفارقتها قوة الشباب. فاعتقدت الأم حنة دانيل الرئيسة العامة للمرة الثانية آنذاك، أن خير مكان لاقامة أختها الأم ماري ألفونسين إنما هو الدير الرئيسي حيث تجد متسعاً من الوقت للتفرغ بكامل حريتها للاختلاء والصلاة فتحقّق بذلك أعزّ رغباتها وتخدم الجمعية بنصائحها الثمينة وآرائها المديدة. وذلك لأن الأم حنّة كانت تلاحظ دائما الاتفاق الكامل في الآراء والأفكار بين الأم ماري ألفونسين وبين المؤسّس الراحل. دون أن تفهم السبب الحقيقي. وقد قدّرت أن وجود أختها بقربها سيكون امتداداً لوجود الأب يوسف طنوس نفسه، وأنه سيجنبها أخطاء كثيرة، فكانت فكرة صائبة جداً... إلاّ أن الأم ألفونسين، رغم ميلها الطبيعي الى الإختلاء والصمت فقد كانت عوناً قيماً في أحلك الظروف وأشدّها عسراً طيلة السنوات الثماني التي قضتها في القدس.

وقد ثبت منذ الظهورات الأولى أن شيئا من جمال نفسها الداخلي أخذ ينعكس على وجهها، وكان ذا إشراقة روحية صافية من النوع الذي لا يتمتع به سوى القديسين الذين يستمدون قبساً من نور الله. مما جعل طالباتها في القدس وبيت لحم ينجذبن إليها انجذاباً عفوياً. وأصبحت هي نفسها في حيرة من أمر النور الذي كان يتفجّر في داخلها وينعكس على وجهها ولا سيما في عينيها. وخشيت أن يفضح سرّ علاقاتها الوثيقة بالعذراء، لكن شيئا من مخاوفها لم يتّم. بل كانت تلك الموهبة الفائقة الطبيعة تؤثر فيمن حولها وتقرّبهم إلى الله. ومنذئذ وحيثما حلّت بغية إنشاء المشروعات الجديدة كانت تترك وراءها آثاراً من روحانيتها العابقة بشذى فضائلها ولا سيّما محبتها لله والعذراء والقريب. ملكت الله فاستطاعت اعطاءه للغير. كانت تعيش ما تقول، والنعمة كانت تظهر على جبينها، وفي حلاوة لسانها وفي جميع حركاتها وسكناتها، يكفيها أنها امتلأت من الله فأعطته للعالم. فأصبحت بإيمانها هدياً للناس أجمعين، “الذي يعمل ويعلّم، يعدّ كبيراً في ملكوت السماوات” يقول الربّ.

وفي أيام كهولتها ورغم ضعف تلك الإشراقة التي أشرنا إليها كانت توحي الى كلّ من يدنو منها بأن الله حاضر فيها وأنها هي حاضرة فيه. وأن بعض الراهبات اللواتي عرفن هذه الأم وما زلن على قيد الحياة يؤكّدن أن هالة خافتة من النور كانت ترتسم على وجهها فتضفي عليه مسحة من جمال أخاذ كان يسمو بهنّ الى الله ويعوّض عن ذلك الجمال الدنيوي الذي حرمتها الطبيعة إياه. وبعد اعتزالها حياة العمل والنشاط أضحت نموذجاً للحياة التأملية، فلم تكن السبحة تفارق يدها، وكان التأمل في أسرارها غذاءها الروحي، وهمست مرّة في آذان أختها الأم حنة قائلة:- “ليتك ترين ما أرى!” غير أنها لم تكمل حديثها مخافة أن تبوح بسرّها.

وحاولت بكلّ وسعها استمالة الراهبات إلى تلاوة السبحة الدائمة وفقاً لرغبة العذراء الصريحة. ولكنها لم تجرؤ على كشف النقاب عن مصدر الاقتراح بجلاء بل اكتفت بان تقول لأختها بكلّ بساطة:- “ستسّر والدة الإله المحبوبة إذا أقدمنا على تلاوة السبحة الدائمة في الدير”. وقوبلت الفكرة بالرفض مع الإعتذار لانشغال الراهبات المستمرّ وقلّة عددهن. أما هي فلم تكن تلحّ أكثر من ذلك بل ظلّت تحاول التعويض بنفسها عن ذلك الفراغ، بصلاة غير منقطعة.

في عام 1917 قررّت المسؤولات تحويل منزل دانيل غطاس الكائن في عين كارم قرب كنيسة الزيارة، والذي امتلكته الرهبانيّة سنة 1910، الى ميتم، وعهد بمهمة إنشائه الى الأم ماري ألفونسين. فغادرت القدس وهي في الرابعة والسبعين من العمر عائدة الى منزلها الريفي القديم حيث كانت تقضي عطلتها الصيفية أثناء طفولتها وحداثتها. ولم تكن في شيخوختها أقلّ سعادة من شبابها فمضت إلى عين كارم راضية كلّ الرضى لأنها ستكرّس في ذلك البيت الغالي قواها الأخيرة لخدمة المحبة. ولكن صحتها، للأسف، بدأت تضعف وتخور ولم تعد تطاوعها على العمل. وفي تلك السنة، أعفيت الأم حنّة من مسؤولياتها وانتخبت مكانها الأم وردة معمر رئيسة عامة. فارتأت الأم حنّة الالتحاق بأختها لتضطلع بمسؤولية الميتم عوضا منها.

وهكذا أتيح للأم ماري ألفونسين العودة الى حياتها التأملية، دون أن تكفّ عن القيام ببعض المهمات البسيطة. فكانت على أتمّ الاستعداد لتأدية أية خدمة تكلها اليها أخواتها الراهبات. أما ما فضل من وقتها فكانت تقضيه في الكنيسة. واعتاد الباحث عنها أن يلقاها قائمة تصلي هناك ولدى سماعها لأي نداء، كانت تبرح مكانها بسرعة، مفارقة الربّ من أجل الربّ، تاركة عبادته من أجل خدمته في شخص القريب. وبعد تأدية ما عليها، سرعان ما كانت تحتل مكانها السابق أمام القربان الأقدس. ولم يرق ذلك الأخت كروبيم، التي كانت تستكثر ساعات اعتكاف زميلتها على الصلاة. وبعكس ما يوحي به اسمها، أي الأخت كروبيم، لم تكن الراهبة الشابة تتمتع بروح تاملية. وكانت تعتقد أن تنبيه الأم حنّة الى ذلك الأمر ضروري. ولما فعلت عاجلتها الرئيسة بهذا الجواب:- “دعيها تصلي كما يطيب لها”. وكانت تجّل في أختها تلك العبادة الراسخة وتظنّ أنها توصّلت إلى سبر أعماق نفسها سبراً كافيا، بينما كانت في حقيقة الأمر تجهل كلّ شيء عن سرّها المكتوم. ولم تنس الأم ماري ألفونسين أن العذراء أوعزت إليها يوما بقولها: “أريد أن تتلى في الدير الوردية الدائمة نهاراً وليلاً”. (مخطوط أول، ص 43).

وكان صدى هذه الكلمات لا يزال يتردّد في أعماقها. لذا كانت تنهض عند منتصف الليل وتمضي الى الكنيسة لتحقّق ما شاهدت في الرؤيا. وكثيراً ما غفلت عن الوقت ولبثت دائبة على الصلاة، حتى انبلاج الصبح.

عودة الظواهر الخارقة: ورافقت صلواتها الليلية ظواهر فائقة الطبيعة. وقد مرّ معنا في مخطوط مذكراتها أن الله قد أنعم على أمته الوفية، سنة 1875، سنة الرؤى والإيحاءات، في مغارة بيت لحم، يوم عيد الغطاس في القداس الأول. حظيت برؤيا غريبة. فبعد كلام التقديس، شاهدت نوراً ساطعاً ينبثق من الكأس وينتشر تدريجياً حتى شمل الهيكل والرائية نفسها. وتمثلت لها المشاهد الدينية المعبرة عن عيد الغطاس... فشعرت كأنها غائصة في بحر الألوهية. وقد أعطيت قوة خارقة مكنتها من حضور خمسة عشر قداساً متتالية وهي راكعة على الأرض لا تشعر بكلّل أو ملل، مع أنها لم تكن في اختطاف روحي بل شاركت في الصلاة كمثل مشاركتها الاعتيادية، إلاّ أثناء القداس الخامس والعاشر والخامس عشر حين كانت الرؤى السابقة تتجدّد على نحو ما جرى في القداس الأول. (مخطوط أول، ص 21-23).

وقبل أن تودّع المغارة، حصل لها ما يندر حصوله في حياة المتصوّفين وما لا يرد ذكره في كتب سيرهم وأخبارهم، حتى ان الرائية نفسها أقرّت بعجزها عن تفسير تلك الظاهرة: “وإذا بشعاع نور ينبثق من أمي البتول وينفذ فـيّ فغدوت جريحة محبتها. وسكبت دموعاً غزاراً وتأجج قلبي بنيران المحبة لله والبتول”. (مخطوط أول، ص 21-23).

ولدى مغادرتها المكان، وهي تردّد كلمات السلام الملائكي، شعرت كأنها خلقت خلقاً جديداً. وأحسّت في أعماق نفسها بطاقة كبيرة على الإحتمال ومحبة متأججة هيمنت على إرادتها. وكانت العذراء ترافقها في الطريق في صورة نجمة. وظلت هذه الحال تلازمها منذ تلك اللحظة. وأضافت الرائية تقول: “في كلّ قداس وفي كلّ زياح قربان أشترك فيه، كنت أشاهد نوراً ساطعاً ينبثق منه شعاع يخترق قلبي. فأرى ربي يسوع المسيح إلهاً وإنساناً بأنوار لطيفة فائقة الوصف وأرى معه البتول الحنون”. (مخطوط أول، ص 24).

        ومن خلال ذلك النور، كان يتسنى لها مشاهدة أسرار الليتورجيا وفقا لترتيبها الزمني. وفي أعياد القديسين، لا سيما أعياد الشهداء الممتدّة على مدار السنة، قدّر لها أن ترى كلّ واحد وحده وهو حامل إشارة عذابه واضطهاده. وكانت أيضاً تعاين مجدهم ولا سيّما مجد العذراء القديسة. ولم تكن تعرف كيف تعبّر عن غبطتها وسرورها بهذه المشاهد الرائعة. (مخطوط أول، ص 24).

وأما صلاتها فكانت تصعدها تعبيراً عن حبّها وعرفان جميلها، واعترافاً بعجزها عن الإستفادة من المراحم الإلهية ونعم البتول. ولله درّ هذا الابتهال الذي كان يتحرّك به قلبها ولسانها: “يا ربّ، إن كنت تجود بتعزيات كهذه على خطأة لا يفتشون عنك، فما عسى أن تكون محبتك لأصدقائك”. (مخطوط أول، ص 25). مواهب جديدة وفي بداية عام 1876، ومع قدوم عيد الغطاس، عاودتها رؤى العام المنصرم، في صورة أبهى من ذي قبل. ولمست تغيراً طرأ على حالتها النفسية، وإذا بها تشعر بالهدوء والطمأنينة بعد أن كانت في السنة السابقة مندفعة الى أقصى الحدود. وعلاوة على أسرار عيد الغطاس شاهدت أسرار الوردية. فرأت العذراء مرّة أخرى وحولها فوج من العذارى يرتدين زياّ أبيض وأزرق. وارتاحت لهذه الرؤيا وتمكنّت من حضور عشرين قداساً متتالياً وهي منتبهة اليها ومشاركة فيها على أفضل وجه. وهذه نعمة لم تحظ بها من قبل. كما نالت موهبة جديدة كانت تتكرّر بعد المناولة وطيلة قيامها بالشكر. وفحواها أنها بفضل النور  الذي كان يغمرها أخذت ترى الحالة النفسيّة للأشخاص الذين تصلي لأجلهم وتعرف ما سيطرأ على حياتهم من أمور. (مخطوط أول، ص 26، 27).

وشعرت أيضاً بقوّة داخلية مكّنتها من ممارسة الأعمال الصالحة وتحمّل الألم حبّاً بالله. فأصبحت تجد الإماتات المألوفة والمأذون بها هيّنة وتفرح بانتقادات الآخرين لها وتنتهز الفرص للتألم والتفكير. وبمعنى آخر كانت في حالة جديدة تشعر كأن حاضرها لا يمتّ الى ماضيها بأية صلة. وقد عبّرت عن شكرها لله بقولها:- “ليت شعري، من أين حدثت لي هذه الحالة إلاّ منك يا الهي، يا من غيّرتني؟ فلك الحمد دائماً...”. (مخطوط أول، ص 28).

ولم تنقطع مثل تلك الظواهر الخارقة انقطاعاً كاملاً. وهاكم على سبيل المثال الشهادة التي أدلت بها الأخت كوليت راشد: "أثناء إقامتي مع الأخت ألفونسين في بيت لحم، شاهدتها ذات ليلة تنزل الى الطابق الأرضي لتصلّي أمام تمثال العذراء. وأبصرت نوراً ساطعاً يضيء في ارجاء الغرفة. فأصابني للحال هلع شديد. وبعد أن أنهت صلاتها وعادت الى سريرها قلت لها: "إنك أدخلت الفزع في قلبي. من أين أتى ذلك النور الذي ملأ المكان؟" فكتمت الحقيقة عني وأجابت: "إن النور الذي رأيته إنما يصدر عن قنديل العذراء".

وفي عين كارم تكرّرت الظاهرة نفسها عدّة مرات، وتذكرت الأخت مارتينا دانيل أنها أرسلت الى هناك ذات مرّة لمؤازرة الراهبات. وطلبت منها الأم حنة أن تنهض في إحدى الليالي وتمضي الى منام الطالبات لتطلع على أحوالهنّ ولما فتحت باب غرفتها اذا بها تلمح كتلة من نور تسير نحو الكنيسة وتضيء كلّ ما حولها. فخيّل اليها أنها ترى شبحاً. فصرخت من شدّة الخوف وأغلقت الباب بقوّة. وفي اليوم التالي بادرت الى اطلاع الأم حنّة على مغامرتها الليلية، فطمأنتها الرئيسة قائلة:- "إنها الأم ماري ألفونسين، تذهب الى الكنيسة كلّ ليلة كي تصلّي" واذ كانت راهبتنا تجهل الحوار الذي دار حولها، مضت بدورها الى الأم حنة وتوسلّت اليها أن تعتني بالأخت مارتينا اعتناء خاصاً. لأنها حسب معرفتها وخبرتها بها شديدة الخوف أثناء الليل.

وكانت جميع راهبات ذلك الدير يشعرن بوجود سرّ دفين ويعتقدن أن صومعة الأم ماري ألفونسين كنيسة مصغّرة. ثم ان هذه الراهبة كانت تتمتع، لا سيّما في أواخر حياتها، بموهبة معرفة المستقبل وقراءة خفايا القلوب. فقبيل وفاتها، استدعت طالبة تدعى "لويز عبد" وأوصتها بالسهر على صحة الأم حنّة وأضافت: "سيبلوها المرض بعد موتي. وستنجو منه في المرّة الأولى. أما في الثانية فستموت". وقد جرت الأمور حسبما أنبأت.

وكانت ايضاً على اتصال بالعالم الآخر، لا سيمّا بالنفوس المطهرية. وكثيراً ما كانت تصلّي وتضحي لأجلها. وقد وجدت في عين كارم وثيقة ترقى الى سنة 1919 تثبت انتماءها الى رابطة "مونلجيون" لاغاثة النفوس المطهرية. وعندما توفي شقيقها الكاهن الأب أنطون دانيل في التاسع من شباط سنة 1925، كانت طريحة الفراش فلم تتمكّن من مرافقة أختها الأم حنة لزيارته ومؤاساته في ساعاته الأخيرة. لكنها عرفت اللحظة التي أسلم فيها الروح. ولما أخذت الأم حنّة تبدي أسفها لموته، أخذت هي تعزيها قائلة: "لم تبكين؟ قد أبصرت أنطون في قلب المسيح. إنه في السماء".

وفي التاسع عشر من آذار عام 1927 لما اشتدّ عليها المرض ويئس الأطباء من شفائها، راحت الراهبات يتناوبن السهر عليها وهنّ معجبات بصبرها الشديد المذهل الذي كان ثمرة استسلامها الدائم لله. ولم تكن تقطع صلاة السبحة إلاّ لتردّد اسمي يسوع ومريم. وفي الأيام الأخيرة من حياتها كانت تواظب على الاعتراف اليومي حرصاً منها على البقاء في أتمّ نقاوة. وعرفت مسبقاً في أي يوم وفي أية ساعة ستنتقل الى الأبدية. وفي الساعة العاشرة من اليوم الرابع والعشرين من آذار، أسرّت الى الأخت كريستين الفران بقولها: "أتسمعين أحداً يطرق الباب؟ إنه القديس باسكال بايلون (P. Baylon) لقد كنت شديدة التعبد والإكرام له وكنت أحرص على تلاوة “السلام الملائكي” ثلاث مرات كلّ يوم، لينبهني قبل موعد موتي بثلاثة أيام فأستعد لملاقاة الربّ على أفضل وجه، وقد أتى أمس وأمس الأول في الساعة ذاتها".

وفي اليوم التالي الموافق عيد البشارة 25/3/1927، قالت لأختها، وقد قضت سواد الليل الى جانبها: "لا داعي لبقائك الآن. وأولى بك أن تمضي لحضور القداس والدعاء لأجلي. وحسبي أن تبقي بقربي طالبة واحدة لأني لن أموت قبل الساعة العاشرة". فمضت الأم حنة الى الكنيسة تاركة المحتضرة تحت إشراف ريجينا واحدى الطالبات.

ولدى عودة الراهبات، استدعت المريضة أختها وقالت لها: "هلمي نودّع احدانا الأخرى. فلم يبق أمامنا سوى ثلاث ساعات نقضيها معا". وبعد قليل شدّت على يد أختها وأضافت: "دنت ساعتي الأخيرة. فلنقل الوردية مرّة أخرى". فانضمت اليهما ريجينا، وأخذت الأم حنة تتلو القسم الأول من “السلام” وتجيب أختاها... وواصلن الصلاة حتى السرّ الرابع عشر الذي يذكر انتقال العذراء الى السماء. وفي آخر سلام منه، كانت المحتضرة لا تزال تنطق بوضوح: "صلي لأجلنا - نحن الخطأة - الآن- وفي ساعة موتنا".

وكانت هذه الكلمات آخر ما نطقت به. وما لبثت أن أسلمت الروح. وبذلك تكون قد اختتمت حياتها الأرضية بصلاة الى مريم بعد أن عاشت حياة “مريميّة” تحت أنظار أمهّا السماويّة. وتعلمنا الحياة أن آخر صفحة من عمر الإنسان تنطوي على غرار الصفحات السابقة، لأن الموت صورة عن الحياة، وأن بني البشر يموتون كما كانوا يحيون...

 

10 - ألوصيّة

يقول الذهبي الفمّ "ما عرفت أقوى من إنسان يصلّي". هذه هي الأم ألفونسين التي دوّنت قبل وفاتها بعض كلمات على قصاصة من الورق وجدت بعد مماتها وكانت وصيتها الروحيّة:

"باسم الآب والإبن والروح القدس. آمين. إرحمني يا الله كعظيم رحمتك، وكمثل كثرة رأفتك أمح مآثمي. يا نفسي استودعي ذاتك يدي مريم سلطانة الوردية أمك. واتحدي بقلب يسوع عروسك الى دهر الدهور. آمين.

إني أموت مسيحية وراهبة ورديّة حقيقية. وأرجو مغفرة خطاياي باستحقاق دم يسوع الثمين وبشفاعة أمي سلطانة الوردية المقدّسة والقديس يوسف. إني اتكلّ على صلوات أخواتي في الرهبانيّة وعلى الثلاثة والثلاثين قداساً التي ستقدم بإذن الرؤساء لراحة نفسي، باسم يسوع ومريم. آمين".

الأخت ماري ألفونسين

راهبة الوردية المقدسة

 

هكذا كانت حياتها كلّها ليتورجية مقدّسة. إمتلأت من الله واعتصمت به عرّفها سبل الحياة وملأ قلبها فرحاً، فسكن جسدها على الرجاء. وامتلأت لذات على الدوام. كيف لا وقد تعلّمت فنّ الحياة والقداسة في مدرسة العذراء، تعبد المسيح يومياً مع العذراء بتأمل مباشر وحبّ عميق، لتعرف ارادة الله وتتممّها، فكانت نفساً تأملية تؤمن بالمسيح وأمه وتعيش ايمانها عملياً بالصمت والتواضع والبساطة، منقادة لارادة المسيح في الإنجيل.

هذا الإيمان العميق، المتجذر في تأملّها بأسرار الوردية مع امّها العذراء أثناء تلاوتها للسبحة الوردية الدائمة جعلها قادرة على مواجهة الأحداث والمصاعب التى اعترضتها في تحقيق دعوتها وفي مجرى حياتها الرهبانيّة مثل ترك رهبانيتها الأولى التي كانت تحبّها وتحبّ جميع أخواتها فيها طاعة للعذراء، لتقوم بتأسيس رهبانية الوردية، وما نجم عن هذه الحالة من أحكام واشاعات مدسوسة ومتناقضة واتهمت بخيانة جمعيتها وكذلك اتهمت بالكذب وعدم الثقة. وبسبب ذلك تعرّضت للاضطهاد ولاجراءات تأديبية، وحرمت من الطعام وعزلت عن اخواتها في غرفة النوم ومنعت اخواتها من التكلّم معها. هذا بالإضافة الى استهزاء معظم الراهبات بها لان منظر عينيها كان يسبب عدم جمال في وجهها، بسبب انها كانت مصابة بالحول، فالأخوات اللواتي كان يستهويهنّ المظهر اكثر من الجوهر كنّ يسخرن منها ويجدن لذّة في استفزازها واذلالها، دون سبب ودون مراعاة شعورها واحساسها... ولله درّها كم احتملت وقاست في حياتها من الألم النفسي بصمت كامل وصلاة مستمرة فصار المها مقدّساً. وهنا تحقّق كلام العذراء فيها "أما أنت فستأتين معي بعد ان تتعذبي وتحتملي كثيراً من راهبات الوردية انفسهن". (مخطوط أول، ص 43). وهذا ما تؤكده لنا كلمات المؤسّس الأب يوسف طنوس وهو على فراش الموت، لا بل في اخر ساعة من حياته وقد اتت من الزبابدة تودعه الوداع الأخير. وبعد أن اختلى بها ومكثا في حوار روحي ساعة كاملة. انه حقاً حوار قديسين تلاقى قلباهما في الله. وكان منظر وداعهما تتفطّر له الأفئدة ويشبه وداع اغسطين لأمه مونيكا على شاطئ “اوستيا” شبهاً عظيماً. وبعد أن راجعا معاً كلّ الأمور وافضى اليها بما كان يختمر في ذهنه لأنه كان بحاجة الى تلك المقابلة ليأتمنها على رغبته الأخيرة، لانها كانت قادرة على فهمه أفضل من أية راهبة أخرى. فمنذ وفاة البطريرك براكّو لم يبق احد سواهما على علم بأسرار العذراء وإيحاءاتها. ومنذ اليوم ستنفرد الراهبة بحفظ تلك الأمانة المقدّسة.

ورغم ظهورها بين الناس بمظهر راهبة عادية لا تتميّز من أخواتها بشيء، إلاّ أن المؤسّس كان موقناً أنها ستحمل على عاتقها، منذئذ وصاعداً، مستقبل تلك المؤسّسة التى أرادتها العذراء. وستكون أيضاً أمام الله الكفيلة الوحيدة بتنفيذ التعهدات التي التزم بها كلاهما لسلطانة الوردية. هكذا بعد ان أفضى اليها بما كان يختمر في ذهنه قال: "إقبلي الآن بركتي". فخرّت جاثية على الأرض. وبقي له كلمة أخيرة يقولها على انفراد. كان يعلم عظم ما عانت الراهبة في الماضي وما ستتألّم في المستقبل، وأن حياتها بعد رحيله ستكون أشدّ عسراً لأنها ستحرم ذلك السند القوي الذي كانت تلقاه ساعة الضيق والشدّة. فنظر اليها نظرة اشفاق وقال: “واحسرتي عليك ان كنت ستعيشين طويلاً بعد موتي. لأنك ستلاقين عذاباً شديداً من أخواتك”. فأجابت بكلّ عزم وسخاء: “لا أبالي بالعذاب. فأنا ذبيحة الوردية، وكلّ ما اريده سعادتك في الديار السماويّة. وان راحتك راحتي”. ومسحت دمعة سالت على خدّها ثم أردفت:ان أمنا الحبيبة التي خدمتها في حياتك، ستأتي وتساعدك في هذه الساعة”. فقال: “اهلاً بالموت ومرحباً! انه ليس صعباً. لكن مريم قد أبطأت فمتى ستأتي يا ترى؟”. ويبدو أنه نسي ما قد انبأ به عن موته. وبارك ابنته وشخص الى صورة العذراء وتنهّد ثم قال: “ستبقى أختك رجينا واحدة منكنّ. فقد سبق أن وعدتها بذلك". (المخطوط الثاني ص 12).وقد عرف ان ريجينا دانيل تركت الرهبانيّة لأسباب صحيّة اذ لم تعد قادرة على مواصلة الحياة في الدير. وكان المحتضر قد أعياه الداء وأنهك قواه، وتهدّج صوته وترقرقت في عينيه دمعتان كبيرتان كحبتي لؤلؤ. وكأني بالأم الفونسين تناجي الآب السماوي بقولها: “يا من قادنا بالإيمان الى النور، اجعلنا نرضيك بأعمال البرّ والقداسة، ويا من يصبو اليه ايماننا. كن فرحنا الأبدي عندما تأتي”.

 

 
     
   

 

 
 

   الروح المريمية عند الأم ماري الفونسين

  من كتاب كليمة العذراء  للأخت براكسيد سويدان

   

إنّ الأب لينو تشينللي بعد أن درس مخطّطي مذكرات الأم الفونسين وجد أن الحس المريمي المشرق والحيوي في حياة الأم ماري الفونسين هو العنصر البارز والمميز وهو نقطة الارتكاز والمحور الأساسي لروحانيتها والقوة الدافعة والمحركة لها بأمانة والتزام. لذلك بقيت هذه الفتاة طيلة حياتها هي المفضلة والمصطفاة لدى السيدة العذراء وذلك لأمانتها وصدقها والتزامها الأكيد والثابت. وعليه يقدم الأب المذكور أعلاه التحليلات التالية ....  للمزيد

 
 
 
 
 
 

  شخصية الأم ماري الفونسين الإنسانية والروحانية ( الجزء الاول )

 

إنّ دراسة الأب لينو تشينللي لمذكرات الأم ماري الفونسين ركزّت على بعض الخصائص المميزة لروحانيتها ورسالتها. وكذلك النتائج التي خلص إليها الخبراء بعد دراسة جميع الوثائق المتعلقة بها ولمذكراتها....  للمزيد

 
     
 

  شخصية الأم ماري الفونسين الإنسانية والروحانية ( الجزء الثاني )

 
       
   

إن الأب بندكتوس شتولتز، أول كاتب لسيرة الأم الفونسين. يصف لقاءه الأول للأخت ماري الفونسين في عين كارم قبيل وفاتها ببضعة أشهر في هذه العبارات الوجيزة قال: " أذكر جيد  ....   للمزيد

 
     
 
 
 
     
     
 

  الأم الفونسين وممارسـة الفضائل البطوليّة  ( الجزء الاول )     

   
 

عند الاطلاع على مذكرات الأم ألفونسين دانيل غطاس بعد وفاتها في 25/3/1927 في عين كارم اكتشفت الأخوات الراهبات قيمة الفضائل الإنجيلية التي مارستها ببساطة كليّة كالتواضع، الفقر الروحي، محبة الله والقريب، خاصة نحافة الضمير والأمانة لدعوتها وفي تتميم واجباتها الروحية وحفظ القانون بكلّ دقة مما جعلها تصل الى أعلى درجات الكمال ...الخ. كانت الأخت ماري ألفونسين تمتلك شخصيّة غنيّة بالفضائل منها: روح المبادرة  ....  للمزيد

 

  الأم الفونسين وفضيلة الإيمان  ( الجزء الثاني )

   
 

لقد برز إيمانها اكثر وهي بمحاذاة الجلجلة بتبنيها شعار “التفاني حتى الموت” شعار المسيح الذي كتبه بحروف من دم شعار التفاني الذي بلغ به حداً جعله يموت على خشبة العار ليمحو عارنا... فكانت رئيستها تلحظ باهتمام بالغ الفائدة الروحيّة التي تجنيها هذه المبتدئة من ممارسة درب الصليب، فأخذت تأذن لها عن طيب خاطر بتكرار زياراتها الى القبر المقدّس حيث كانت تقضي ساعات تأمل طويلة في المكان الذي صلب فيه معلّمها الإلهي وبالقرب من العذراء أم الأوجاع  ....  للمزيد

 

الأم الفونسين وجرة الزيت ( الجزء الثالث )

   
 

لقد برز إيمانها اكثر وهي بمحاذاة الجلجلة بتبنيها شعار “التفاني حتى الموت” شعار المسيح الذي كتبه بحروف من دم شعار التفاني الذي بلغ به حداً جعله يموت على خشبة العار ليمحو عارنا... فكانت رئيستها تلحظ باهتمام بالغ الفائدة الروحيّة التي تجنيها هذه المبتدئة من ممارسة درب الصليب، فأخذت تأذن لها عن طيب خاطر بتكرار زياراتها الى القبر المقدّس حيث كانت تقضي ساعات تأمل طويلة في المكان الذي صلب فيه معلّمها الإلهي وبالقرب من العذراء أم الأوجاع  ....  للمزيد

 

السبحة تعيد الميت إلى الحياة ( الجزء الرابع )

   
 

لقد برز إيمانها اكثر وهي بمحاذاة الجلجلة بتبنيها شعار “التفاني حتى الموت” شعار المسيح الذي كتبه بحروف من دم شعار التفاني الذي بلغ به حداً جعله يموت على خشبة العار ليمحو عارنا... فكانت رئيستها تلحظ باهتمام بالغ الفائدة الروحيّة التي تجنيها هذه المبتدئة من ممارسة درب الصليب، فأخذت تأذن لها عن طيب خاطر بتكرار زياراتها الى القبر المقدّس حيث كانت تقضي ساعات تأمل طويلة في المكان الذي صلب فيه  ....  للمزيد