سجل الزوار

 اضفنا للمفضلة

اتصلوا بنا

الرئيسية

 

ارتفعَ إلى السماء

 

أغتم الرسل وملأت الكآبة  قلوبهم وهم يستمعون إلى يسوع ينبئهم بموته القريب  وافتراقه عنهم. فهم ما زالوا رجالاً سذجاً لم يكتسبوا شيئاً بعد سوى التعلّق بمعلمهم الذي تركوا كل شيء من أجله وتبعوه. أما رسالته التي طالما كلمهم عليها فلم يفهموا منها بعد إلاّ القليل. وقد رأوا بوادر المقاومة تهُب من كل جانب  أترى يستطيعون تحت إمرة بطرس  _ لكن في غياب يسوع _ أن يسيروا بالكنيسة التي أسسها عليهم  إلى هدفها السامي؟ لكن المسيح لم يبال بمثل هذه الأفكار البشرية التي إن دلت على شيء  فإنما تدلّ على قصر نظر، بل عزاهم بقوله: "إن في انطلاقي خيرا لكم، لأني إن لم أنطلق لم يأتكم المعزّي. ولكن إذا مضيت أرسلته إليكم"( يوحنا7:16 ).

هكذا يصنع الله مراراً مع خلقه. فإنه تعالى يقيم من عباده أناساً كراماً لتأسيس أعمال الرسالة على الأرض، ثم يدعوهم إليه ليتركوا الروح القدس يهتم بما قد أسسوا ورتبوا  ويكون كل مجد لله، فلا يفتخر إنسان على الأرض.

وضع الأب يوسف طنوس أسس الرهبنة الجديدة ورتب قوانينها  وجمع قطيعاً  صغيراً ليقوم بعبئها، فجاءه المعلم الإلهي يدعوه إلى المكافأة الأبدية.

ففي اليوم الأول من أيار سنة 1889 شرع في بناء الدير الأصلي للرهبنة إلا انه اضطر مرارا عديدة إلى التوقف عن العمل لعجز في الميزانية. ولمّا أقبل عام 1892 لم يكن قد أنجز إلاّ جزءاً من الدير فقط. فأصيب بداء شلّ نشاطه وأجبره على الراحة التامة. فنصحه الأطباء بالسفر إلى الناصرة مسقط رأسه. فغادر القدس في الثاني من حزيران سنة 1892. ومع أنه شعر بتحسن بسيط قد طرأ على حالته الصحية إلاّ أن الأطباء قرروا أن لا فائدة منه ترتجى، أما هو فلم يبدِ أي اضطراب لدى سماعه بأن أجله بات قريباً. بل سُمع يوما يقول لأخيه خليل:

 أصرف الأطباء إذ هي النهاية. ثم إنه التفت إلى الراهبات الواقفات على خدمته وقال:

- الآن ينبغي لكن أنتن أن تعنين بكل شيء، لأني منطلق إلى البيت السماوي.

وكان يحدّق مراراً بنظره إلى صورة العذراء مردداً الدعاء: "يا سلطانة الوردية المقدسة، صلّي من أجلي".

وعند منتصف الليل، بينما كان يستعد لتناول القربان الأقدس، بدأ وكأنه يفتش عن شيء ما فسألته إحدى الراهبات الحاضرات قائلة:

_ ماذا تريد، يا أبانا؟

_ لا أريد شيئا سوى قلب كبير واسع جداً يسع العالم كله لأحب الله كما يليق. يا للعجب، إن الرب، إله السماوات والأرض يرضى بأن يأتي إليّ ويمنح ذاته غذاء لرجل بائس مثلي: "ما الإنسان حتى تذكره؟ وابن البشر حتى تفتقده؟ " ( مزمور 5:8)

وكانت روحه الوديعة السامية تنعكس في أقواله وسلوكه. فقد انقلب محياه في اليومين الأخيرين انقلاباً كاملاً واكتسى مسحة من اللطف والوداعة. فكان يعزي بكلامه الذين يحيطون به ويشجعهم ويهتم  بتدبير آخر أموره بينما كان يردد مرارا قوله:

Fiat Volunatas Tua   ( لتكن مشيئتك!)

 بل إنه أحسّ هو نفسه بالتغير الذي طرأ عليه، فقال :

_ كنت حتى الآن أخاف دائما من الموت، وأسمع أن كأسه مرّة. وها أنا ذا اليوم لا أشعر بأي ألم أو اضطراب!

وقد سُمع مرة يقول بصوت مرتفع وهو ينظر إلى صورة العذراء:

- يا عذراء، إني آت لأحتفل معك بعيد الوردية.

ولما اعترف بخطاياه قبل مسحة المرضى وهو يشترك في جميع الصلوات ويمد يديه لتمسحا بالزيت المقدس. وفي النهار زاره كثير من راهبات الوردية ومن أهله ومن أصدقائه. فكان يقول لهم:

_ أني أشكركم جميعاً لعنايتكم بي في مرضي. وأسألكم أن تصفحوا عن قصوري تجاهكم. غداً سأموت، لكن سواء أكنت في السماء أم في المطهر فلن أنساكم في الصلاة.

أما محادثته لراهباته فكانت بمثابة وصية أخيرة يتركها لهن، تعبّر عن محبته لهن وعنايته بهن. فقد قال لراهبة كانت تسعفه:

 لقد شاء الله أن أترككن، لكن أهلاً ومرحباً بالموت... اتكلن على الله، فهو لن يترككن أبداً ... سلطانة الوردية تحميكن! وهي تكون لكنّ عونا وحماية. وأنا سأفيدكن أكثر في السماء.

ثم التفت إلى الرئيسة العامة، الأم حنه دانيل وقال لها:

_ أني أكل إليك أمر جميع الراهبات. كوني  لهن أمَّا روؤفاً وعامليهن باللطف. درّبيهن على المحافظة التامة على القانون ... والآن، أيتها الرئيسة العامة، أمنحك بركتي الأخيرة أنت وجميع الراهبات الحاضرات منهن والغائبات... صلين لأجلي  وأنا لن أنساكن".

 

وبعد هذه التوصيات المؤثرة وجّه  كلامه إلى الكهنة الحاضرين وهم: المنسنيور أنطون رزق والقانوني شكري صافيه والقانوني أنطون دانيل، وأوصاهم بالراهبات. ثم سأل أن يُصمد القربان الأقدس في الكنيسة المارونية المجاورة وأن تُقام الصلوات على نيته لطلب نعمة الميتة الصالحة. وسرعان ما تجمّع في الكنيسة عدد غفير من أبناء الطائفة ليصلوا من أجله. ثم إنه قال أيضاً:

_ الشكر لله! كل شيء قد أعدّ ولم يبق سوى قبول الزاد الأخير. ومن الأنسب أن تأتوني به هذا المساء لأني سأموت غداً صباحاً.

ولما مال إلى جنبه رأى والدته العجوز التي جاوزت التسعين من العمر جاثية تذرف الدمع، فسألها ببراءة الأطفال أن تباركه. ثم سأل الكهنة الحاضرين  بركتهم قائلاً:

باركوني انتم أيضا. وقَبِلِ القربان الأقدس زاداً أخيراًً فغاص  في الصلاة ومناجاة ربه. ولما كان صباح يوم الجمعة عادت إليه الراهبات، فقبّلن يده ثم ذهبن إلى الكنيسة لحضور ذبيحة القداس على نيته.

وفي تلك الأثناء وصل كاهن رعية الزبابدة وراهبتان من راهبات الوردية إحداهن الأخت ألفونسين. وكانت عناية الله قد رتّبت الأمور بحيث أرسلت الأخت ألفونسين من القدس إلى الزبابدة القريبة من الناصرة، بعد شفائها وهكذا استطاعت أن ترى، في الوقت المناسب، الأب المؤسس للمرة الأخيرة. فقال الأب يوسف للراهبتين:

_ لقد جئتما تودّعان أباكما.. أجثيا هنا لأبارككما.

ولما خرج الجميع استبقى الراهبة ألفونسين، ابنته الروحية، وحدّثها لمدة ساعة من الزمن. ومن جملة الحديث الذي دار بينهما قوله لها:

_ أقبلي بركتي الأخيرة.... واحسرتاه عليك إن كنتِ ستعيشين طويلاً بعد موتي، لأنك ستلاقين عذاباً شديداً! مسكينة أنتِ بين أخواتك!

_ فأجابته : لا بأس  إن تعذبتُ ، فأنا ذبيحة الوردية. ولا أريد إلا أن تستريح أنتَ في الديار السماوية، وراحتك تكون راحتي ... إن أمنا الحبيبة التي خدمتها في  حياتك ستأتي وتساعدك في هذه الساعة.

_ ما أحلى  الموت! انه ليس صعباً. لكن مريم قد أبطأت! متى تجيئني، يا ترى؟...

ثم تحدّثا أيضا عن أختها رجينا التي تركت الرهبنة بسبب انحراف في صحتها منعها عن ممارسة الواجبات القانونية. فقال  الأب يوسف:

_ يجب أن تعتبرنها دائماً واحدةً منكنّ. فأنا قد وعدتها بذلك.

خرجت الراهبة ألفونسين من عنده فدخل المنسنيور أنطون رزق. فسأله المدنف أن يتلو صلوات المنازعين، ففعل. ولما سمع العبارة: في يديك يا رب... كرّرها من بعده وقال: "في يديك، يا رب، أستودع روحي!".

ثم أدار بصره نحو صورة سلطانة الوردية المقدسة وأسلم الروح. وكان ذلك في اليوم السابق لشهر الوردية، أي اليوم الثلاثين من أيلول سنة 1892 وله من العمر 54 سنة. فطارت نفسه الطاهرة إلى النعيم الأبدي لتحتفل مع سلطانة الوردية المقدسة بعيدها بعد أن أخلصت لها الحب على الأرض.

هَرع جميع سكان الناصرة إلى وداع مواطنهم الكريم والقديس، ورافقوا جثمانه إلى الكنيسة الراعوية لحضور مراسيم الجنازة. ثم دفن أولا في المقبرة المخصصة بالرهبان الفرنسيسيين، في المكان المعروف باسم "دير البنات" إلى يومنا هذا. وبعد مدة من الزمن نقل رفاته ودفن في كنيسة سلطانة الوردية في القدس، حيث لا يزال يرقد الرقاد الأخير بالقرب من بناته على أمل القيامة الأخيرة والمجد الأبدي.

هكذا كان يسوع قد غادر الأرض، مفارقاً رسله وتلاميذه المؤمنين، بموته أولا ثم بصعوده المجيد إلى السماء حيث لا يزال يشفع فيهم إلى الآب ويساند جهودهم ويقوّي ضعفهم. بيد أنه يبقى قريباً منهم في سر القربان الأقدس، فضلاً عن إرساله إليهم الروح القدس المعزّي.

 

 

  الشهر المريمي 2010/ رهبنة الوردية المقدسة
 

 

سجل الزوار

 اضفنا للمفضلة

اتصلوا بنا

الرئيسية

 

ارتفعَ إلى السماء

 

أغتم الرسل وملأت الكآبة  قلوبهم وهم يستمعون إلى يسوع ينبئهم بموته القريب  وافتراقه عنهم. فهم ما زالوا رجالاً سذجاً لم يكتسبوا شيئاً بعد سوى التعلّق بمعلمهم الذي تركوا كل شيء من أجله وتبعوه. أما رسالته التي طالما كلمهم عليها فلم يفهموا منها بعد إلاّ القليل. وقد رأوا بوادر المقاومة تهُب من كل جانب  أترى يستطيعون تحت إمرة بطرس  _ لكن في غياب يسوع _ أن يسيروا بالكنيسة التي أسسها عليهم  إلى هدفها السامي؟ لكن المسيح لم يبال بمثل هذه الأفكار البشرية التي إن دلت على شيء  فإنما تدلّ على قصر نظر، بل عزاهم بقوله: "إن في انطلاقي خيرا لكم، لأني إن لم أنطلق لم يأتكم المعزّي. ولكن إذا مضيت أرسلته إليكم"( يوحنا7:16 ).

هكذا يصنع الله مراراً مع خلقه. فإنه تعالى يقيم من عباده أناساً كراماً لتأسيس أعمال الرسالة على الأرض، ثم يدعوهم إليه ليتركوا الروح القدس يهتم بما قد أسسوا ورتبوا  ويكون كل مجد لله، فلا يفتخر إنسان على الأرض.

وضع الأب يوسف طنوس أسس الرهبنة الجديدة ورتب قوانينها  وجمع قطيعاً  صغيراً ليقوم بعبئها، فجاءه المعلم الإلهي يدعوه إلى المكافأة الأبدية.

ففي اليوم الأول من أيار سنة 1889 شرع في بناء الدير الأصلي للرهبنة إلا انه اضطر مرارا عديدة إلى التوقف عن العمل لعجز في الميزانية. ولمّا أقبل عام 1892 لم يكن قد أنجز إلاّ جزءاً من الدير فقط. فأصيب بداء شلّ نشاطه وأجبره على الراحة التامة. فنصحه الأطباء بالسفر إلى الناصرة مسقط رأسه. فغادر القدس في الثاني من حزيران سنة 1892. ومع أنه شعر بتحسن بسيط قد طرأ على حالته الصحية إلاّ أن الأطباء قرروا أن لا فائدة منه ترتجى، أما هو فلم يبدِ أي اضطراب لدى سماعه بأن أجله بات قريباً. بل سُمع يوما يقول لأخيه خليل:

 أصرف الأطباء إذ هي النهاية. ثم إنه التفت إلى الراهبات الواقفات على خدمته وقال:

- الآن ينبغي لكن أنتن أن تعنين بكل شيء، لأني منطلق إلى البيت السماوي.

وكان يحدّق مراراً بنظره إلى صورة العذراء مردداً الدعاء: "يا سلطانة الوردية المقدسة، صلّي من أجلي".

وعند منتصف الليل، بينما كان يستعد لتناول القربان الأقدس، بدأ وكأنه يفتش عن شيء ما فسألته إحدى الراهبات الحاضرات قائلة:

_ ماذا تريد، يا أبانا؟

_ لا أريد شيئا سوى قلب كبير واسع جداً يسع العالم كله لأحب الله كما يليق. يا للعجب، إن الرب، إله السماوات والأرض يرضى بأن يأتي إليّ ويمنح ذاته غذاء لرجل بائس مثلي: "ما الإنسان حتى تذكره؟ وابن البشر حتى تفتقده؟ " ( مزمور 5:8)

وكانت روحه الوديعة السامية تنعكس في أقواله وسلوكه. فقد انقلب محياه في اليومين الأخيرين انقلاباً كاملاً واكتسى مسحة من اللطف والوداعة. فكان يعزي بكلامه الذين يحيطون به ويشجعهم ويهتم  بتدبير آخر أموره بينما كان يردد مرارا قوله:

Fiat Volunatas Tua   ( لتكن مشيئتك!)

 بل إنه أحسّ هو نفسه بالتغير الذي طرأ عليه، فقال :

_ كنت حتى الآن أخاف دائما من الموت، وأسمع أن كأسه مرّة. وها أنا ذا اليوم لا أشعر بأي ألم أو اضطراب!

وقد سُمع مرة يقول بصوت مرتفع وهو ينظر إلى صورة العذراء:

- يا عذراء، إني آت لأحتفل معك بعيد الوردية.

ولما اعترف بخطاياه قبل مسحة المرضى وهو يشترك في جميع الصلوات ويمد يديه لتمسحا بالزيت المقدس. وفي النهار زاره كثير من راهبات الوردية ومن أهله ومن أصدقائه. فكان يقول لهم:

_ أني أشكركم جميعاً لعنايتكم بي في مرضي. وأسألكم أن تصفحوا عن قصوري تجاهكم. غداً سأموت، لكن سواء أكنت في السماء أم في المطهر فلن أنساكم في الصلاة.

أما محادثته لراهباته فكانت بمثابة وصية أخيرة يتركها لهن، تعبّر عن محبته لهن وعنايته بهن. فقد قال لراهبة كانت تسعفه:

 لقد شاء الله أن أترككن، لكن أهلاً ومرحباً بالموت... اتكلن على الله، فهو لن يترككن أبداً ... سلطانة الوردية تحميكن! وهي تكون لكنّ عونا وحماية. وأنا سأفيدكن أكثر في السماء.

ثم التفت إلى الرئيسة العامة، الأم حنه دانيل وقال لها:

_ أني أكل إليك أمر جميع الراهبات. كوني  لهن أمَّا روؤفاً وعامليهن باللطف. درّبيهن على المحافظة التامة على القانون ... والآن، أيتها الرئيسة العامة، أمنحك بركتي الأخيرة أنت وجميع الراهبات الحاضرات منهن والغائبات... صلين لأجلي  وأنا لن أنساكن".

 

وبعد هذه التوصيات المؤثرة وجّه  كلامه إلى الكهنة الحاضرين وهم: المنسنيور أنطون رزق والقانوني شكري صافيه والقانوني أنطون دانيل، وأوصاهم بالراهبات. ثم سأل أن يُصمد القربان الأقدس في الكنيسة المارونية المجاورة وأن تُقام الصلوات على نيته لطلب نعمة الميتة الصالحة. وسرعان ما تجمّع في الكنيسة عدد غفير من أبناء الطائفة ليصلوا من أجله. ثم إنه قال أيضاً:

_ الشكر لله! كل شيء قد أعدّ ولم يبق سوى قبول الزاد الأخير. ومن الأنسب أن تأتوني به هذا المساء لأني سأموت غداً صباحاً.

ولما مال إلى جنبه رأى والدته العجوز التي جاوزت التسعين من العمر جاثية تذرف الدمع، فسألها ببراءة الأطفال أن تباركه. ثم سأل الكهنة الحاضرين  بركتهم قائلاً:

باركوني انتم أيضا. وقَبِلِ القربان الأقدس زاداً أخيراًً فغاص  في الصلاة ومناجاة ربه. ولما كان صباح يوم الجمعة عادت إليه الراهبات، فقبّلن يده ثم ذهبن إلى الكنيسة لحضور ذبيحة القداس على نيته.

وفي تلك الأثناء وصل كاهن رعية الزبابدة وراهبتان من راهبات الوردية إحداهن الأخت ألفونسين. وكانت عناية الله قد رتّبت الأمور بحيث أرسلت الأخت ألفونسين من القدس إلى الزبابدة القريبة من الناصرة، بعد شفائها وهكذا استطاعت أن ترى، في الوقت المناسب، الأب المؤسس للمرة الأخيرة. فقال الأب يوسف للراهبتين:

_ لقد جئتما تودّعان أباكما.. أجثيا هنا لأبارككما.

ولما خرج الجميع استبقى الراهبة ألفونسين، ابنته الروحية، وحدّثها لمدة ساعة من الزمن. ومن جملة الحديث الذي دار بينهما قوله لها:

_ أقبلي بركتي الأخيرة.... واحسرتاه عليك إن كنتِ ستعيشين طويلاً بعد موتي، لأنك ستلاقين عذاباً شديداً! مسكينة أنتِ بين أخواتك!

_ فأجابته : لا بأس  إن تعذبتُ ، فأنا ذبيحة الوردية. ولا أريد إلا أن تستريح أنتَ في الديار السماوية، وراحتك تكون راحتي ... إن أمنا الحبيبة التي خدمتها في  حياتك ستأتي وتساعدك في هذه الساعة.

_ ما أحلى  الموت! انه ليس صعباً. لكن مريم قد أبطأت! متى تجيئني، يا ترى؟...

ثم تحدّثا أيضا عن أختها رجينا التي تركت الرهبنة بسبب انحراف في صحتها منعها عن ممارسة الواجبات القانونية. فقال  الأب يوسف:

_ يجب أن تعتبرنها دائماً واحدةً منكنّ. فأنا قد وعدتها بذلك.

خرجت الراهبة ألفونسين من عنده فدخل المنسنيور أنطون رزق. فسأله المدنف أن يتلو صلوات المنازعين، ففعل. ولما سمع العبارة: في يديك يا رب... كرّرها من بعده وقال: "في يديك، يا رب، أستودع روحي!".

ثم أدار بصره نحو صورة سلطانة الوردية المقدسة وأسلم الروح. وكان ذلك في اليوم السابق لشهر الوردية، أي اليوم الثلاثين من أيلول سنة 1892 وله من العمر 54 سنة. فطارت نفسه الطاهرة إلى النعيم الأبدي لتحتفل مع سلطانة الوردية المقدسة بعيدها بعد أن أخلصت لها الحب على الأرض.

هَرع جميع سكان الناصرة إلى وداع مواطنهم الكريم والقديس، ورافقوا جثمانه إلى الكنيسة الراعوية لحضور مراسيم الجنازة. ثم دفن أولا في المقبرة المخصصة بالرهبان الفرنسيسيين، في المكان المعروف باسم "دير البنات" إلى يومنا هذا. وبعد مدة من الزمن نقل رفاته ودفن في كنيسة سلطانة الوردية في القدس، حيث لا يزال يرقد الرقاد الأخير بالقرب من بناته على أمل القيامة الأخيرة والمجد الأبدي.

هكذا كان يسوع قد غادر الأرض، مفارقاً رسله وتلاميذه المؤمنين، بموته أولا ثم بصعوده المجيد إلى السماء حيث لا يزال يشفع فيهم إلى الآب ويساند جهودهم ويقوّي ضعفهم. بيد أنه يبقى قريباً منهم في سر القربان الأقدس، فضلاً عن إرساله إليهم الروح القدس المعزّي.