English

سجل الزوار

 اضفنا للمفضلة

اتصلوا بنا

الرئيسية

 
 

العلاقات مع الآخر      

 

التضحية

من التاريخ

كان "شاه عباس" احد الملوك العظماء في الامبراطورية الفارسية القديمة. تميز حكمه بالقوة والنفوذ، كما تميز بالتواصل مع شعبه الكبير في الامبراطورية العظيمة الممتدة.

ولما كان الامبراطور حريصا على معرفة احوال الناس بعيدا عن التقارير الرسمية، فقد عمد كثيرا الى التخفي، والتجول في الشوارع والاسواق، والاندساس بين العامة، والاصغاء لاحاديثهم، والتحاور معهم.

وفي ليلة من الليالي خلع الامبراطور ثيابه الملكية وارتدى ثياب عامل فقير، وتسلل من القصر، حيث صادف زقاقا ضيقا في موقع مظلم رطب، وانحدر الى بوابة صغيرة، قادته الى درجات سلم ضيق متهدم، واوصلته في النهاية الى قبو صغير يعيش فيه وقاد فقير، يجلس فوق كومة من القش، ويشرف على اشعال احد الافران.

استطاع الملك بمظهره الفقير ان يجد له مكانا في قلب الوقاد، فاستراح كل منهما للاخر، وفتح الوقاد قلبه لضيفه الفقير، وروى له بعض شئونه، فوجد من الضيف اصغاء واهتماما، كما استطاع الضيف ان يشير عليه بنصائح حكيمة، ويتحدث اليه بكلمات حلوة مشجعة. فانتعش قلبه، فها هو يجد صديقا حكيما محبا، وهو في ذات الوقت رجل فقير مثله من حشيش الارض.

وقام الوقاد بواجب الضيافة، واحضر ما لديه من خبز جاف داكن اللون، وكوز من الماء، وتناول مع ضيفه عشاءهما المتواضع، وانصرف الضيف.

وتركت هذه الزيارة اثرا عظيما في قلب الرجلين. فعاد الامبراطور يكرر الزيارة عدة مرات، ويأكل الرغيف الاسمر، ويشارك الرجل الفقير بعض اوقاته ثم ينصرف دون ان يفصح عن شخصيته.

وفي احدى الزيارات، نظر الامبراطور الى الوقاد الفقير وقال له: اظنك تحسب انني فقير مثلك أليس كذلك؟ ولم يجب الرجل بشيء، فقال له: انا الامبراطور! فنظر الرجل اليه في حب واعجاب ولم يقل شيئا. فقال الامبراطور هل فهمت ما اقول؟ اجاب الرجل: نعم يا سيدي الامبراطور فهمت. قال الامبراطور: فالآن التمس ما تشاء، اطلب ما تريد، استطيع ان اجعلك من اغنى الاغنياء، استطيع ان امنحك مدينة كاملة، استطيع ان اقيمك حاكما على ولاية، اطلب ما تريد! وتذكر انني اقدر ان امنحك أي شيء يخطر ببالك!

ولم يطلب الفقير شيئا، ولم يلتمس حاجة! فبلغت الدهشة بالامبراطور غايتها. فقال الفقير: سيدي الامبراطور، انك تقدر ان تمنح هداياك العظيمة لأي انسان في الامبراطورية، لكنك – رغم غناك – لا تقدر الان ان تمنحني اكثر مما منحتني في كل الليالي الماضية. لقد منحتني ذاتك! اذ تركت عرشك وقصرك ومجدك لتجلس معي في حجرتي المظلمة، كما تركت طعامك الملكي واكلت من رغيفي اليابس. فماذا يمكنك ان تمنحني بعد ان منحتني نفسك؟ كل ما ارجوه ان لا تسحب مني صداقتك.

 

التضحية

التضحية.. قدرة خارقة على العطاء، وهي عطاء بلا مقابل.

ولا يستطيع احد ان يدفع ثمنا لتضحيات الآخرين، فالتضحية اثمن من كل بديل.

وقد تندر التضحيات العظيمة في زمن سادت فيه الانانية، وانشغل فيه الناس بمصلحتهم ومنافعهم الشخصية. واعتاد الناس ان يدوسوا على اجساد غيرهم ليتسلقوا فوق رؤسهم.

ومع ذلك فان التضحيات لها صور راقية لا زالت تؤسر القلوب. ولعل اوضحها واجلها الصورة المتكررة التي تحدث في كل لجظة حين يضحي الامهات الفاضلات براحتهن وصحتهن وضروراتهن في سبيل الابناء، كما يضحي الاباء ايضا ويبذلون جهدهم واكثر من جهدهم لتوفير احتياجات بيوتهم المتزايدة.

لكن التضحية ليست قاصرة على التضحيات البيتية، هناك تضحيات عظيمة يقوم بها اصحاب القلوب الكبيرة من اجل الاخرين، فهناك من يسارعون بالقاء انفسهم في النار لانقاذ غريب يحاصره الحريق، او يطرحون انفسهم في الماء لانقاذ غريق، ويواجهون احتمال الموت.

 

من واقع الحياة

استقل الشاب الوسيم طائرة من مطار عاصمة بلاده الباردة، التي ما ان ارتفعت في الجو حتى فقد طاقم قيادتها السيطرة عليها، واصطدمت بكوبري علوي قريب، فتهشمت، وسقطت بركابها في المياه الثلجية للنهر الكبير.

وما ان انقضت بضع دقائق، حتى تحركت فرق الانقاذ، وعلى رأسها طائرة هليوكوبتر واحدة. قام قادتها باسقاط مزلقة (عجلة) الهليوكوبتر الى التيار لكي يلتقطها من بقي على قيد الحياة من ركاب الطائرة المنكوبة. وقد كانوا ستة اشخاص، ومن بينهم ذلك الشاب، اذ تعلقوا بالذيل الطافي للطائرة، وهم يصارعون من اجل حياتهم في ذلك الماء المثلج المتجمد.

ويقينا، كان ذلك الشاب يعرف، انه وهو في مثل تلك الظروف السيئة سوف يبقى حيا لبضع دقائق فقط.. قبل ان تسبب له درجة برودة الماء اغماء، وفقدانا للوعي.

وكان ذلك سببا قويا يدفعه لأن يمد يده سريعا ليتثبث بوسيلة النجاة الوحيدة المتاحة.

لكن بدلا من ذلك.. ففي كل مرة كان يقوم فيها فريق الانقاذ بانزال الطوق المطاطي له، فانه كان يتخلى عن دوره، وقد كان اقربهم اليه، ويحوّل الطوق الى ضحية اخرى بجانبه.. ولمرتين متتاليتين قدموا له فرصة النجاة والحياة.. وللمرتين اختار بنفسه ان يتغاضى عنها.. بل ان يرفضها لنفسه، مقدما الاخرين على نفسه.

ورحلت طائرة الهليوكوبتر، وعلى ظهرها الركاب الناجين.. ثم عادت لتلتقط بعضهم مرة اخرى ورحلت، ثم عادت.. ولكن عندما عادت في المرة الاخيرة، كان الشاب الوسيم قد اختفى. وما لاشك فيه، قد انزلق وغاب فاقدا الوعي... ففقد قوة قبضته المتثبثة بذيل الطائرة الطافي.. وغرق في الماء الثلجي، الاسود.

لقد قام هذا البطل الانسان باختيار صعب هائل، شجاع.. اختيار بين حياته، وحياة آخرين غرباء عنه..

لن يواجه معظمنا مثل هذا النوع من القرار الصعب والمؤلم، على المستوى الجسدي.. ولكننا، جميعا، نواجه هذا النوع من القرار على المستوى المعنوي، والشعوري، والروحي.. في كل يوم من حياتنا.

ليس مطلوب من معظمنا ان نموت فعلا من اجل الآخرين، لكن قد تكون امامنا اختيارات لأن نفني حياتنا، او نضحي بأنفسنا من اجل الآخرين.. فالتفاني والحب تضحية... حية ومتجددة.

 

ما هي التضحية الحية

ان تضحي، يعني ان تتنازل عن شيء له قيمته، من اجل غرض عظيم، او هدف نبيل، او مثل اعلى. مثل التضحية بالمال، او الوقت، او النفوذ، او السلطان، او حتى الهناء الشخصي، مثل الشاب الذي وهب حياته، وكل دخله المالي الضئيل من اجل تربية ابناء شقيقه المتوفي حتى كبروا، وتعلموا، وصار لكل منهم بيته وحياته المستقرة، بينما كان قد ضحى هو بالزواج وتكوين اسرة.

فالتضحية تتطلب الايثار أي تفضيل الآخرعن النفس، والايمان بهدف التضحية، ووضوح الرؤيا بالحب..

التضحية هي الحب... الحب للآخر... والآخر يشمل الاسرة والجار والناس، سواء الذين يماثلونا او يخالفونا، في المعتقدات، ووجهات النظر، والمشارب. الحب الذي يشمل كل الناس وكل البشر.

سر هذا الحب

ما كنه هذا الحب العظيم الذيي تصل حدوده الى ان يبذل الشخص نفسه وحياته من اجل الآخرين... الى ان يقبل الموت في سبيل الآخرين؟

-         انه سر قدسي، يعلو على الزمان، ويسمو عن الكلمات..

-         انه ضياء الهي ينير جنبات النفس.. فنشع خيرا، وجمالا ودفئا.

-         انه نور يشمل الكون كله.

هذا الحب هو مزيجا من الانفعالات الانسانية الايجابية.. انفعالات تخلق المحب خلقا جديدا... من خلالها يدرك ما لا يدركه احد.. ويرى ما لا يراه احد.. فيكون ثمة ميلاد جديد.. ميلاد بطل.. ميلاد عبقري.. انفعالات تشبه انفعالات المبدعين في لحظات الابداع.. فتخرج خيرا للناس.

كن بطلا في التضحية

لا شك في ان ذلك الشاب الذي مات فدى وتضحية من اجل انقاذ حياة الآخرين من ضحايا الطائرة، كان بطلا، احتفظ بهدوئه، وظل على محبته للناس، في مواجهة الموت الاكيد..

        فكن بطلا حقيقيا:

-         مثله، مثل كل جندي بذل حياته لانقاذ بني وطنه من مخالب الاحتلال، او طغيان، او تعسف، او ايذاء.

-         مثله، مثل كل من ضحى بنفسه وصارع الموت من اجل انقاذ طفل من حريق، او غرق، او جريح اثر حادث.

-         مثله، مثل كل من يعاني ويصمد لكي يمنح مشاعر الحب وكلمات الأمل، لمصدوم، او بائس، او حبيس، او وحيد...

-         مثله، مثل كل من يمد خيوط الأمان والمساندة والتشجيع لمن وقع تحت اثقال، او لمرتعب، او ضعيف تحت احزان.

-         مثله، مثل من يتبع درب الخالدين من اصحاب المُثل العليا، الذين بذلوا الحب والنفس بل والحياة من اجل البشر والناس. فيسلك سلوكهم ويشارك كل الناس وبلا تميز ولا تفرقة، مشاركة معنوية ويقدم خدمات عملية، معبرا عن حب عميق، وعظيم.

 

تضحية بلا حدود

مثلما تسيطر روح الانانية على بعض الناس فتكبلهم وتقيدهم وتسيطر على تصرفاتهم، هكذا تتملك روح العطاء بعض الناس، وتدفعهم للبذل بلا حدود.

·        التضحية بالمستقبل:

تحدّث واحد من المشاهير يدعى السيد "سكوت" فقال "عندما كنت طفلا، كان لي اخ يكبرني باعوام قليلة، وكنا فقراء للغاية! فوقف الفقر حائلا دون انتظامنا في التعليم، وكان من المحتم ان نترك المدارس لنسعى للرزق. واخذ اخي المبادرة، ودفعني للاستمرار في الدراسة، على ان يقوم هو بتحمل نفقات تعليمي! ورغم طفولته فقد عمل حمالا في عربات البولمان. وظل ينفق عليّ من اجره الضيئل سنوات كثيرة، حتى صرت فيما بعد مشهورا، بينما فاته هو قطار التعليم وفرصة الترقي! فأنا مدين له بكل شيء، وليست اموال الدنيا بكافية لتعويضه عن تضحياته. والتعويض الوحيد الذي يتساوى مع تضحيته هو احساسه بدوره العظيم، وبقيمة كفاحه، وبعائد جهده وعرقه.

·        التضحية بالممتلكات:

روت سيدة صينية تدعى مسز شيانج كأي شيك قصة عن احد مواطنيها الابطال من اصحاب القلوب الكبيرة المضحية، قالت، كان في احد الايام يمارس عمله في حقله فوق احد التلال، حين أحس بهزة ارضية. والتفت نحو المحيط، فرأى المياه تضطرب بصورة مخيفة، ورأى من موقعه المرتفع ان المياه تتراجع بسرعة شديدة مبتعدة عن الشاطىء، مثل حيوان مفترس يتراجع الى الوراء ليعود فينقض على فريسته! فادرك ان المياه سوف تعود بعد قليل لتنقض على القرية الرابضة في حضن الجبل! ونظر الفلاح الصيني البسيط الى الوادي الهادىء، فرأى جيرانه يعملون في الارض المنخفضة التي سوف يغمرها الفيضان. ووجد انه من المحتم عليه ان ينبههم كي يصعدوا سريعا الى قمة الجبل.

كان الزمن زمن الحصاد، وكان الحقل قد ابيض وجفت العيدان حاملة ثمن شقائه طوال العام، واقترب الامل الذي عاش يتصير به على ايام الكفاح. نظر الفلاح الى حقله، ثم اشعل عود الثقاب وارسل النار لترعى في الحقل!

ونجحت الخطة الكريمة، فقد رأى الجيران الدخان المتصاعد، فهرعوا جميعا لمساعدته، ومن هناك في موقعهم الآمن رأوا مياه المحيط تغمر المواقع التي كانوا قد غادروها.

وفهم الناس معنى الاشارة، وعرفوا ان الرجل دفع كل ما يملك ليفدي حياتهم من الموت.

وتقول السيدة التي سجلت هذه الحادثة ان الرجل مات بعد وقت قصير، فكتب مواطنوه لافتة على قبره تقول: "لقد اعطانا كل ما كان يملك، واقد اعطى بسرور وفرح".

·        التضحية بالنفس

لعل هذه التضحية هي اغلى التضحيات، وكما يقول الشاعر العربي، الجود بالنفس اقصى غاية الجود.

وبعض الناس من ذوي القلوب الكبيرة والنفوس العظيمة يجودون بحياتهم طوعا واختيارا في سبيل هدف امنوا به. انه نوع من الفداء فهم يبيعون نفوسهم الغالية لشراء نفوس الاخرين او حتى لتحقيق خير او فائدة عامة. ما اعظم ان يبذل الانسان نفسه من اجل غيره.

يوم غاصت السفينة الايرلندية "الامبراطورة"، غاصت السفينة وعليها مائة وثلاثون راكبا، ينتمون جميعا الى إحدى جميعات تدعى "جيش الخلاص"، وهي جميعة دينية – اهتمت بحياة العمال الكادحين، وخاصة عمال المناجم الفقراء. وعند انتشال جثث الضحايا لوحظ ان من بينهم مائة وتسعة ولم يكن في ايديهم اية احزمة او وسائل للنجاة! وقال الناجون ان كل هؤلاء الغرقى من افراد الجمعية تنازلوا طوعا عن وسائل النجاة التي كانت في ايديهم، وعلقوها على اجساد غيرهم ممن تعذر حصولهم عليها. والطريف – كما ذكر الناجون – انهم فعلوا ذلك وهم يضحكون قائلين، نحن نعرف اكثر منكم كيف نموت جيدا.

ان هؤلاء المضحين، لم يتيسر لهم ان يكملوا رحلتهم، ولم يستطيعوا ان يمارسوا رسالتهم بين العمال الفقراء، لكنهم استطاعوا ان يحققوا نجاحا باهرا في معركة التضحية والحب والعطاء لم ينسها التاريخ.

 

سمات بطل التضحية:

        ومن ابرز سمات الذي يحب... حتى الموت او التفاني من اجل الاخرين:

-         التواضع وانكار الذات: فهو مرادف للتضحية بالنفس، لأنه تقبلّ، ومواجهة، واحتمال للصعوبات.

-         الاخلاص: والاخلاص يولد قيما عظيمة اخرى مثل الوفاء، والمسئولية، والرعاية، والعطاء، والاحترام، والنزاهة. انه كل القيم مجتمعة. وهو التجسيد الحقيقي للضمير الانساني، ووسيلته الى عالم الطهارة، والخير، والجمال، والحق.

-         تطوعي: فقرار الانسان التضحية بنفسه وحياته، قرار صادق وشجاع، صادر من داخله، من ذاته الكاملة، دون ان يخضع لأي مؤثرات خارجية، ولهذا فان اختياراته حرة مطلقة، يتحمل مسئوليتها، ويصارع المشاكل، ويؤدي الواجب الذي تحتمه الظروف مهما كان الثمن فادحا عليه.

-         الشجاعة وعدم خشية الموت: فهو يتقبل ضعفه امام قوى الطبيعة، لكنه يشعر انه الاقوى بحبه للبشرية وللانسانية.. اقوى من البراكين، والزلازل، والاعاصير، والفيضانات، والحر الشديد اللافح، والبرد القارس.. اكبر من الصعاب، والآلام، والمحن، والحروق والعذابات، والامراض التي قد تصيب الجسد.

-         كريم، سخي، معطاء: تكون سعادته الحقيقية في العطاء، تكون تضحيته منحة كاملة، لا ينتظر عنها ثمنا.. وإحساسا بالمسئولية تجاه الانسانية بعامة. فقدرته على التسامح عالية. لا ينصّب نفسه قاضيا او جلادا. ولا يرتكب جريمة باسم الاستتشهاد والتضحية من اجل الاخرين.

-         يسود الحب على علاقاته بالآخرين، من اقربائه، ومن غرباء، تتسم معاملاته بالبراءة، والبساطة، والتلقائية، والمباشرة، والبعد عن سوء الظن، وافتراض الخير كأساس لكل علاقة انسانية، والمودة لكل الطبقات الاجتماعية.

-         الشعور بتحقيق انسانيته: فالحب يحقق للانسان انسانيته الحقة، الحب يسمو به ليصبح اقرب الى السماء منه الى الارض، والى النور منه الى التراب. ولذلك نستطيع ان نقول: إن رحمة الله التي ينشرها على خلقه، ومن خلال خلقه، تكون عن طريق المحب الذي تهيأ قلبه للحب، وللتضحية.

 

فكرة روحية

التضحية بالنفس من اجل النفس:

هذا لون اخر من التضحية الرائعة الواعية، يلجأ اليه الانسان طوعا واختيارا، حين يدرك ان جميع ما تمنحه الدنيا لا يهب سعادة النفس، وان السعادة لها طريق آخر، يرتبط بالله وبالخلود. وحين يدرك الانسان حلاوة الاتصال الروحي بالله تهون عليه الدنيا، فلا يعود اسيرا لدعوتها، فيستجيب لنداء الروح ويرتبط بدعوة السماء، ويغمره الله بقوة روحية تسمو به فوق رغبات الجسد.

وهؤلاء الذين يفتحون قلوبهم لدعوة الله، يضحون بكل ما في الحياة من زخارف وبريق واغراء، ويجدون في ارتباطهم بالله خلاصا من ضغوط الجسد وشهوته، ومن رغبات النفس واطماعها، ومن مادية الفكر وانانيته.

لقد وضع الله في الانسان شوقا روحيا للاتصال به، وهو سبحانه يؤيد هذا الشوق حين يتحدث الى الضمائر ويدعو القلوب للالتجاء اليه.

لكن بعض الناس تسيطر عليهم الاطماع والشهوات، فيغرقون في مظاهر الحياة المادية، غير عابئين باشواق الروح وتطلعاتها للحياة الابدية وللخلود. فينفتحون على مغريات الحياة الجسدية، ويشربون من مائها المالح الذي لا يروي ولا يشبع، ويبيعون انفسهم مقابل شهوات ورغبات ومكاسب لا تدوم، وتجرفهم الحياة في بحرها الغريق، الذي يبدو في اعينهم وكأنه خلاصة الربح وغاية الفوز. وماذا ينفع الانسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟

وهناك من يحسبون ان بامكانهم الجمع بين مطلب النفس البشرية التي تغذيها الاطماع والشهوات، وبين اشواق الروح الانسانية للتطهر والتواصل مع الله. وفي محاولتهم امساك العصا من المنتصف، فانهم يلجأون الى ممارسة العبادات الشكلية او تقديم الصدقات او التمسح بمظاهر الدين، وهم يفعلون ذلك جنبا الى جنب مع ممارساتهم اليومية المغرقة في المادية والاطماع.

ان الذين يفعلون ذلك يخدعون انفسهم، ويجنون ثمار هذا الخداع في واقع حياتهم الجافة التي ينقصها السلام الداخلي والراحة القلبية.

على الانسان ان يختار، فيبيع نفسه للدنيا او يفتدي هذه النفس.

ما احكم الانسان الذي يضحي بالنفس من اجل خلاص النفس.

 

صرخة انسانية

يا رب..

-         لقد خدعتني الدنيا –

ببريق زائف.

فشربت من مائها الذي لا يروي،

فازددت جوعا وعطشا!

-         وخدعت انا ذاتي –

بالادعاء الكاذب!

حاولت ان اجمع بين رغبات جسدي،

واشواق روحي!

وحاولت ان اوفق بين واقع شهوتي،

ومظاهر التقوى المصطنعة!

حاولت ان اخدع الناس،

فخدعت نفسي!

وحاولت ان اشبع روحي بعبادتي،

لكن عبادتي الجافة،

لم تشبع قلبي!

يا رب..

اعطني ان استجيب لدعوتك.

علمني كيف اترك الزيف والخداع،

اغلق عينيّ عن البريق الكاذب.

علمني ان الخسارة معك –

افضل من الكسب بعيدا عنك.

علمني كيف اضحي بذاتي –

على مذبح طاعتك.

وامتلك يا رب روحي الخالدة،

فلا اعود تملك من نفسي شيئا!

يا رب.