English

سجل الزوار

 اضفنا للمفضلة

اتصلوا بنا

الرئيسية

 
 

الأم الفونسين وممارسـة الفضائل البطوليّة

 
 

 
 

 المقدمة

عند الاطلاع على مذكرات الأم ألفونسين دانيل غطاس بعد وفاتها في 25/3/1927 في عين كارم اكتشفت الأخوات الراهبات قيمة الفضائل الإنجيلية التي مارستها ببساطة كليّة كالتواضع، الفقر الروحي، محبة الله والقريب، خاصة نحافة الضمير والأمانة لدعوتها وفي تتميم واجباتها الروحية وحفظ القانون بكلّ دقة مما جعلها تصل الى أعلى درجات الكمال ...الخ. كانت الأخت ماري ألفونسين تمتلك شخصيّة غنيّة بالفضائل منها: روح المبادرة، القدرة التنظيمية والقيادية في إرشاد النفوس، الحزم وقوة العزيمة مع رقّة الشعور والانوثة الزائدة، طيبة السريرة ونحافة الضمير إلى أبعد الحدود وأدقها، تقبّل الاستهزاء بها والسخريات التي واجهتها بسبب العيب الفيزيائي الذي كان يشوّه طلعتها، (الحول مثلاً) دون أي تعقيدات مما جعل منها مثالاً للفضيلة التي تستحقّ المدح والغبطة والمجد... فالأم ألفونسين كانت مقتنعة بأن العذراء القديسة والدة الإله قدوتها في التحلّي بأجمل الفضائل، وهي التي تقودها وترشدها وتساعدها على اكتساب مختلف الفضائل الإلهية والأدبية.

 

الفضائل الإلهيـة

أ ) إيمانها

"لا تضطرب قلوبكم، آمنوا بالله وآمنوا بي أيضاً" (يو 14، 1)

إن الإيمان مسيرة شخصية، يبدأ بقناعة شجاعة تتجاوز النظريات والصعوبات، وتتخطى الأحكام المسبقة والطرق السهلة بشجاعة

لمقابلة يسوع، ومن خلاله نستطيع أن نجد كلّ الحلول لمشاكلنا.  وهكذا:  

 كان إيمان الأم ألفونسين بالله والعذراء مريم مرافقاً لها منذ طفولتها: يوم كانت “سلطانة-مريم” كثيرا ما تسمع من والدها، ان العذراء مريم خير ملجأ للإنسان عندما تداهمه الصعاب ويجور عليه الزمان، وتظلم الدنيا في عينيه. لذلك لجأت سلطانة الى الصلاة الحارّة إلى الله والعذراء مريم لكي يثنيا والدها عن عناده في عدم السماح لها باعتناق الحياة الرهبانيّة، لأنه لم يكن في فلسطين آنذاك معاهد لإعداد الفتيات للرهبانية. وللاستجابة لنداء الربّ كان لا بدّ من مغادرة الوطن. وكان ركوب البحر مجازفة كبيرة، ولم تكن العائلة المحافظة على تقاليدها لتسمح لابنتها بالسفر الى بلاد الغرب التي تختلف عن فلسطين كثيراً باللغة والعادات والتقاليد. هذا الموقف كانت تؤيده فيه جميع العائلات المسيحيّة المقدسيّة وجميع الذين يعيشون في بيئة شرقية يغلب عليهم طابع المحافظة. هكذا كانت عقلية القرن الماضي، بالرغم من أن الشعب كان يحترم ويجلّ راهباته، إنما كان يحسبهنّ غريبات عن البلد من حيث الثقافة والعقلية. هذا وانه كان من الممكن لراهبات القديس يوسف أن يرفضن الفتاة لأن جمعيتهنّ ذات أهداف تبشيريه تتطلّب من أفرادها التنقّل حيثما تدعوهنّ الطاعة.

فظنت "سلطانة-مريم" أن طريق الرهبانيّة قد سدّت في وجهها الى الأبد لعلمها ان والدها لن ينثني عن قراره. ومع ذلك فقد ظلّت رغبتها صادقة ملكت عليها حسّها ونفسها. وبينما كانت الأسرة تصلي السبحة كلّ مساء، والوالد يتحدّث لأبنائه عن الأم السماويّة بحبّ وحنان، كانت تسمع هاتفاً داخلياً يدعوها إلى مصارحة أهلها بالحقيقة، غير أن خوفها كان دائما أقوى من أن تجرؤ على البوح بسرّها لأحد، لأن سلطة الوالدين آنذاك كانت مطلقة لا تحتمل جدلاً ولا حواراً. غير أن العذراء أثبتت أنها أهل لثقة “سلطانة” بها واستجابت لصلاتها بشكل لم يكن يخطر على بال أحد، إذ تعرّض والدها لحادث حريق في عمله وقد نجا منه بأعجوبة سوى أنه بقيت ندوب الجروح والحرق في وجهه ويديه مدّة طويلة. فكرّست سلطانة وقتها لخدمة والدها حانية عليه وبقيت بالقرب منه تمنحه من عنايتها واهتمامها ما تعجز عنه أفضل الممرضات.

أما دانيل فقد كان شديد الإيمان بالله. ففي غمرة آلامه الشداد أخذ يتأمل في المقصد الربّاني من وراء محنته ويقول في نفسه: "ربمّا أرادت السماء أن تقتصّ مني لإعراضي عن تلبية رغبة ابنتي”. وكان هذا الوالد سخيا بقدر ما كان عنيداً. فغيّر الوالد تصرّفه المتشدّد مع ابنته سلطانة. فبينما كان والدها يثني عليها ويشكر لها عنايتها به، استغلّت الفرصة وسألته بلطف وأدب: “يا أبي، إذا منّت عليك العذراء بالشفاء، أفتسمح لي بدخول الدير؟" فرمقها المريض بعطف وقال: "لقد سمحت لك، لأني وعدت العذراء بأن أمنح أبنائي الحريّة في دخول الدير إذا هم شاءوا ذلك".

فرحت الفتاة فرحاً عظيماً، فشكرته وزفّت البشرى إلى راهبات القديس يوسف اللواتي ما فتئن يشجعنها ويصلين من أجلها. (وبالفعل فان الوالد قد سمح لأختها حنّه أن تدخل الدير وأخيها أنطون لأن يصبح كاهنا) وكأني بالعناية الربّانية تهيء ابنة دانيل غطاس لمهمّة إنشاء مؤسّسة رهبانية موازية لرهبانية القديس يوسف تستقبل فتيات البلد الراغبات في الحياة الرهبانيّة. وبفاعلية الصلاة حلّت المشكلّة الثانية وهي عدم السفر إلى فرنسا لأن الرهبانيّة حصلت من الكرسي الرسولي على إنعام خاص، يأذن لهذه الفتاة "إبنة القدس” بأن تتهيأ للحياة الرهبانيّة وإبراز النذور دون دخول دار قانونية للمريدات (المبتدئات) وهنا نقول: "حقا إن الإيمان هو جواب الإنسان السخيّ على دعوة الله".

لقد برز إيمانها اكثر وهي بمحاذاة الجلجلة بتبنيها شعار "التفاني حتى الموت" شعار المسيح الذي كتبه بحروف من دم شعار التفاني الذي بلغ به حداً جعله يموت على خشبة العار ليمحو عارنا... فكانت رئيستها تلحظ باهتمام بالغ الفائدة الروحيّة التي تجنيها هذه المبتدئة من ممارسة درب الصليب، فأخذت تأذن لها عن طيب خاطر بتكرار زياراتها الى القبر المقدّس حيث كانت تقضي ساعات تأمل طويلة في المكان الذي صلب فيه معلّمها الإلهي وبالقرب من العذراء أم الأوجاع فتجد في تأملاتها معينا لا ينضب تروي منه عطشها إلى البّر والتضحية، وعند إبرازها للنذور الرهبانيّة على جبل الجلجلة اقدس بقعة في العالم حيث اتّشحت ثوب رهبانية القديس يوسف قبل ثلاث سنوات قدّم البطريرك فاليرغا خلال الاحتفال صليباً علقته على صدرها علامة تكريسها للمسيح. ولم يكن هذا الشعار ليبارحها حتى آخر لحظة من حياتها.

شعار "التفاني حتى الموت" رافقها طيلة أيام حياتها وهذا ما جعل الأم ماري ألفونسين تعطي أهمية كبرى الى الألم وللصليب، لتشهد على محبتها الحقيقية لله في الشدّة والمعاناة أكثر من محبتها له في الرؤى والتعزيات فقط. وهكذا يكون الإيمان قد أضاء طريقها وأصبح إيمانها غناها وقوّتها، فوجدت الإله في قلبها، كما وجدت ذاتها في قلب الإله. وهنا تحضرني كلمات جبران، غناء فيروز في أوبريت المحبة "أما أنت أذا أحببت فلا تقل الله في قلبي، لكن قل أنا في قلب الله". وهكذا بقيت نفسها طافحة بنعم كثيرة وتواقة الى الاتحاد المستمر بالله وبالعذراء.

هكذا بفعل ايمانها الذي أصبح غناها وقوّتها غدت قادرة على احتمال كلّ ما يعترضها من تحدّيات واضطهادات وسخريات وإذلالات سواء من رئيستها ومعلّمتها الابتداء لعدم فهم الدوافع الخفية التي جعلت الأب يوسف طنوس يحترم الأخت ماري ألفونسين حتى الإجلال، وعملت جاهدة لتستطلع السرّ فلجأت إلى سياسة الشدّة والقسوة فأخفقت. لذلك ضاعفت من اضطهادها وأخذت تحرّض الراهبات على الأم ألفونسين المريضة بالحمى الصفراء مما زاد حالتها سوءاَ وكانت تتحمل ذلك الألم بصمت حتى أرغمها الأب يوسف طنوس في نهاية العام وهو لا يعلم بذلك على الخروج عن صمتها والتكلّم بأمر الطاعة. فأذعنت له وقدّمت تقريراً وافيا خلاصته في هذا التصريح:

"قد تجرّعت في هذه المدّة كأس العذاب المرّ على يد الأم روزالي التي كانت تبغضني جداً هي وبعض أخواتي الراهبات". (مخطوط ثاني، ص 11) إلاّ أن احتمالها للأذى، والإبتسامة تعلو ثغرها، لم يثن الرئيسة "روزالي" عن قرارها لا بل أخذت تسخر منها وتلمح بشكل لاذع إلى الشائعات القديمة التي كانت تدور حولها في المدينة بصدد خروجها من رهبانيتها الأولى، هذا بالإضافة إلى السخريات التي وجهت إليها من الأخوات بسبب العيب الفيزيولوجي في عينيها (الحول...) أما شدة رئيستها ومعلمتها الإبتداء تحولت الى اضطهاد، وأخضعت الراهبة لإجراءات تأديبية، كأن تحرمها القوت الضروري مراراً فتقول لها مثلاً: "انك لا تستحقين الطعام المقدّم إليك فانصرفي إلى غرفة النوم. وأمنع الراهبات تكليمك" وبقيت على هذه الحال يومين حتى إن أختها لم تتمكن من أن تكلّمها حتى استدعت مرشدها لسماع اعترافها. فأتى وأصغى إليها.

 وأمر بأن يقدّم لها الطعام. وهكذا انتهت مدة الإبتداء وهي تقاسي مثل هذه الصعاب والمحن. وقد أجملت الأخت ماري ألفونسين كلّ ما سبق بقولها: "شاء الربّ أن يستخدم الأم روزالي في الرئاسة لكي تسقيني جرعة من كأس آلامه المقدّسة". (مخطوط أول، ص 59) وبذا تحقّق وعد العذراء لها وكانت تتألم صامتة وتقدّم تضحيتها للرب من أجل نجاح الرهبانيّة الغالية على قلبها. ذلك أنها قبلت طوعاً الدور الذي أعطي لها وهو أن تكون “ضحية الوردية” وهكذا أصبحت لنا قدوة ومثالاً بفهمها  وعيشها “لاهوت الألم والاضطهاد” إن صح التعبير. كما انها أصبحت لنا قدوة ومثالاً ايضاً:

بلاهوت التعليم المسيحي خاصة والعلوم الإنسانية عامة، إذ قال أحدهم: إن الأم ألفونسين مع الخبرات الصوفية المتكرّرة والرؤى المريميّة، يمكن اعتبارها “برناديت سوبيرو العرب” وهذا مردّه إلى غزارة وسموّ اللاهوت الذي عبّرت عنه في تبنيّها مهمّة التعليم الديني في جميع صفوف المدرسة، فامتدّ تأثيرها على كلّ طالبات المدرسة. فأفادت بتعليمها قوانين الإيمان ومبادئ السلوك المسيحي المستمدّة من تأثير ما ورد في الكتب المقدّسة، أفادت إيجابيّاً المسيحيين الكاثوليك وغير الكاثوليك وحتى المسلمين أنفسهم. وكانت فعلاً موهوبة بطلاقة اللسان حين تتحدّث للنفوس عن الله تعالى. وكان لا بدّ لكلّ من ينظر إليها وهي تصلّي أو يستمع إليها وهي تتحدّث عن العذراء، من أن يقع تحت تأثيرها فلا يملّ الإصغاء إليها. وقد أفلحت في إنشاء أخوية لبنات مريم اختارتهنّ من صفوة طالبات المدرسة وقدّمتهن الى كاهن الرعية، فسرّ بالمشروع وأطلق على الفرقة اسم "أخوية الحبل بلا دنس" تكريماً لامتياز العذراء الفريد الذي أعلنه رسمياً البابا بيوس التاسع سنة 1854، وأكدته العذراء خلال ظهورها في لورد عام 1858. ونتيجة لنجاح أخوية الفتيات، شرعت الراهبة الشابة تؤسّس أخويّة أخرى للأمهات المسيحيات إيماناً منها بأن التربية الصحيحة تبدأ وتنتهي في البيت وبأن الأم هي المربية الأولى والأخيرة.

 فسرّ الكاهن بذلك واشترط أن تكون هي نفسها المرشدة الروحية للفرقة، لما كانت تتمتع به من حماس متقد وغيرة رسوليه. وما زالت هاتان الفرقتان مزدهرتين الى اليوم، ولا نقدر أن نحصي أعمال الخير الذي قامتا بها في المدينة المقدّسة.