اتصلوا بنا

الرئيسية

 

 
 
 

ظهور الرب

 

 
 

الاحتفال بعيد الميلاد هو من أجمل الاحتفالات الدّينيّة الّتي يشترك فيها جميع المسيحيّين، من صغيرهم إلى كبيرهم في العالم. لكن للأسف إنّ هذه الفرحة لا تدوم طويلاً فترجع المياه إلى مجاريها. فالأطفال، الذين انتظروا بلهف طويل حلول هذا العيد، هم من أسرع من يكونون قد نسوا هذه الفرحة، بعد ما تكون الهدايا والألعاب التي أشغلتهم في عطلة العيد قد اختفت. وأما الكبار فأكثرهم يكون قد عاد إلى عمله المعتاد. فماذا بقي إذن من العيد؟ ليس الظواهر أعني إضاءة الشّوارع ليل نهار، والمغارة التي راحت تحتلّ سنة بعد سنة مكانها في البيوت قد جفّت إذا لم يكن قد زالت من زاويتها. إذن ما الّذي بقي؟ أظن، وهذا أجمل ما بقي، هو حمل فرحة ميلاد الرّب في القلب والتذكير بحبّ الله لنا، هي أجمل ما يبقى من العيد. هذا وإنّ الكنيسة تحتفل في الأسابيع الّلاحقة للعيد بأعياد أخرى مرتبطة بعيد الميلاد حتّى تزيدنا تذكيرا بهذا العيد الجميل. منها عيد العائلة مباشرة يوم أوّل أحد بعد عيد الميلاد ثمّ عيد الغطاس ويلحقه عيد عمّاد المسيح، هذه كلّها أعياد تهمّنا وتذكّرنا بالإرتباط بعيد الميلاد الجميل. فاليوم نحتفل بعيد الغطاس، الّذي كان قديما هو يوم عيد الميلاد الرّسمي، أي يوم ظهور الّلــه على ألأرض والّذي بقي منذ القرن السادس عشر يوم عيد الميلاد للكنائس الأرثوذوكسيّة الّتي ما تبعت، لكي نقول ما قبلت بتصحيح الطّقوس حسب الحساب الغريغوري العلمي.

لمّا ولد يسوع، وكان ذلك تاريخيّا لمّا كان هيرودس قد حصل بخدعة من روما على لقب ملك في أورشليم وبيت لحم، وصل مجوس، بعد سفر طويل بعيد من بلاد الفرس إلى أورشليم ليقوموا بزيارة المولود الجديد ملك العالم، كما أوحي لهم. هذا والمجوس كانوا بمثابة علماء الفلك اليوم ولكن بدون أيّة أجهزة إلكترونيّة بأيديهم أو تحت تصرّفهم، بل كان كل علمهم قائما على ملاحظات وملاحقات تحرّك الأفلاك من حولهم وربطها بالتّحرّكات الطّبيعيّة والتّغييرات البديهيّة الّتي كانوا يشاهدونها. لم يكن هذا أمرا غريبا حتّى للأمّييّن في ذلك الزّمان إذ كانوا يعتمدون على بديهيّتهم في التّعرّف على الأوقات وما يحدث فيها. إذا هبّ ريح من الجنوب قالوا جاء صحو وإذا هب الرّيح من الشمال قالوا جاء مطر(لوقا 55:12). الفلاّحون كانوا يعتمدون على مراقبة النّجوم فيعرفون تقريبا ماذا سيحدث للغلّة في الحقول. ومع الخبرة المتناقلة والطويلة الأمد، كانوا يفهمون إشارات الطبيعة ويعرفون التقلّبات الطقسيّة فيختارون زراعة هذا أو ذاك من البذور في حقولهم.

فلما ولد يسوع لاحظ هؤلاء الخبراء تغييرا في الأفلاك الّتي كانوا يراقبونها. ولربّما أنّه كان لهم خبرة مماثلة عاشوها. فعند انقضاء مملكة أو تولّي حاكم جديد كان لهم فهم بديهيّ في التغييرات الجوّيّة يحلّلونه على طريقتهم وكثيرا ما كانت مطابقة لما يفهمون. إلى جانب هذه التأويلات يمكن أنهم أيضا كباقي سكان المناطق المجاورة، كانوا ينتظرون مجيء مخلّص من عالم آخر، إذ كلّ الدّيانات حتّى الطّبيعيّة، كانت تتشابه في هذه النقطة مع ديانة اليهود. فلمّا ولد هذا المخلّص شعروا بإيحاء داخلي بحدوث هذا الشّيء الغريب فقاموا محمّلين بهدايا ملوكيّة وامتطوا جمالهم وراحوا يبحثون عن موقع مولده. يساندهم في اختيار الطريق الصحيح نجم غريب كان يسير بمحاذاتهم ليقودهم إلى أورشليم. ذاك النّجم الغريب يمكن مقارنته اليوم بجهاز ال Navigator الّذي يقودنا حيث نريد.

ذاك النجم سار فوقهم ينير لهم الطريق بإلهام حتّى أوصلهم مدينة أورشليم ثمّ غاب عن أبصارهم، لأنّ نور المسيح، الذي سيقول عن نفسه: "أنا نور العالم"، كان أقوى من نور هذا التجم. فاحتاروا في أمرهم وراحوا يسألون المارّة عن موضع ميلاد الملك الحديد، الّذي ما كان خبره منتشرا بعد. فوصل الخبر في النّهاية إلى هيرودس الحاكم الظالم، الّذي كان ذكر اسمه فقط يخيف النّاس، وإذا به هو نفسه يخاف من هذا الخبر، إذ افتكر بقيام ثورة داخليّة عليه من الشعب الّذي يحكمه ويستعبده. نعم خاف على أنّ زمانه ملكه وسيطرته قد انتهت. وما أصعبها أن تضيع السّلطة من اليد، فيصبح الحاكم محكوما، كما حدث أثناء ثورات الرّبيع العربي. لذلك وبدهائه افتكر بالتخلّص من المولود المزعوم أنّه سيكون ملك اسرائيل الجديد، دعا المجوس واستخبر منهم سرّا عن المدّة التقديرية لإشاعة خبر مولد الملك الجديد، من بعد ما استشار علماء الّدين ليدلّوه هو وضيوفه عن المكان، الّذي يحتمل أن الملك المنتظر سيلد فيه. فقيل لهم: "في بيت لحم، أصغر ولاية يهوذا" فبعد ما نهل المعلومات الضّروريّة عن هذا المولود الجديد، سواء من المجوس أو أيضا من علماء الدّين، أمر هيرودس بمرافقتهم كغرباء- لحمايتهم من السطو عليهم، كما كان يحدث في ذلك الزّمان، إذ غالبا ما كان الغرباء فريسة السطو والقتل(قصّة التّاجر والسّامري مثال لكل تلك العمليّات) ولا ننسى أنّه كان قد وعدهم سرّا بمكافأة كبيرة إن هم جلبوا له الحقيقة في طريق عودتهم إلى بلادهم. عمليّة الرّشو في سبيل إفشاء سرّ للمصلحة، ما كانت جديدة فقط منذ أيّام الشّيوعيّة، كما نشاهد، بل هي قديمة قدم البشريّة، إذ كلّ يحاول استغلال الظرف لمصلحته.

وقبل أن نتابع مجرى هذه القصّة مع المجوس علينا أن نستفيد منها، فهي قصّة تحدث معي ومعكم ومع كل إنسان مؤمن، مفادها أنّ الّلــه يجرّب محبّيه، كما قال القديس بولس، وذلك في الّلحظة الّتي نظنّ فيها أننا وصلنا الهدف، يحدث لنا وعكة مؤلمة، تجعلنا نشكّ بعناية الّلــه لنا: "تجري الرّياح بما لا تشتهي السّفن". فالمجوس افتكروا أنّهم عندما دخلوا أورشليم قد وصلوا إلى المولود الّذي تحمّلوا مشاق السّفر الطّويل من أجله. لكنّهم كم شعروا بخيبة الأمل عندما غاب النجم الدّليل من حياتهم. هذا وزادهم خوفا وفزعا أّنهم دعوا لمقابلة هيرودس، الّذي كان يضرب بيد من حديد كلّ من يهدّد حياته أو نظامه، فقد كان مغرما بالقتل والذّبح لينشر الرّعب بين النّاس. هذا ويقال عنه، لأنّه كان مكروها من كل من عرفه وتوقّع أنّ الكلّ سيفرح بموته في قصره بين بيت لحم وبيت ساحور، قد أمر حرسه يوم موته، بقتل ابنه أنتيباس وقتل كل مولود بكر في المنطقة، حتى تبكي كلّ زوجة وكلّ أم ويسمع صراخهنّ من بعيد فيظن النّاس أنّهن يبكين حزنا على موته هو. جاء الأمر إلى المجوس المسالمين للظهور قدّام هذا الطاغية. فمن يقدر أن يصف شعورهم في تلك السّاعة! هذه كانت التجربة الكبرى في حياتهم. لكن لا ننسى أنّ كلّ تجارب الّلــه تعود غالبا علي الواقعين تحتها بالخير وتتكلّل بالنّجاح الغير منتظر. فلماذا نيأس نحن وتسودّ الحياة بوجهنا عندمت نفتكر أن الحظّ قد قسى علينا وأنّ الّلــه قد قاصصنا أو نسينا وأنّه لا يقف بجانبنا في هذا أو ذاك الموقف المحرج في حياتنا؟ لكن خاتمة مغامرة المجوس، الّتي تكلّلت بالنّجاح، هي خير درس ودليل لنا، أن الّلــه لا يخيّب ثقة من يثق به. ومن وضع ثقته بالّلــه سيتابع طريقه ويصل هدفه بأمان. فكما كان موقفه من المجوس في لحظة اليأس، إذ أظهر لهم عنايته بهم،ورافقهم منذ ابتداء رحلتهم وإلى أن انتهت بأمان وسلام، دون أن يعودوا من جديد إلى هيرودس بل سلكوا بإيحاء منه تعالى طريقا أخرى سالمة, فكم كان فرحهم بالتّالي كبيرا!كذلك هو يرافقنا في كل مراحل حياتنا ويوحي لنا أن نسلك الطّرق االسّليمة. فليبق في بالنا أننا نحن مجوس هذا الزّمان ونفتّش عن طريق خلاصنا الصّحيح. فإن الّلــه هو الطريق والحق والحياة. المسيح هو نور العالم ويضيء لنا كل طرق حياتنا حتى لا نضيع فهو نفسه قال: أنا نور العالم! من تبعني فلا يسير في الظلام(يو. 12:8).

المجوس قالوا: إنّا رأينا نجمه. إن الله لا يبخل علينا بإشاراته السّماويّة، لكي يردّنا عن طرقنا المظلمة. كلّ وله نجمه في هذه الدّنيا. فلنسر على الطّريق ما دام نور الله معنا.
 

الأب منويل بدر