سجل الزوار

 اضفنا للمفضلة

اتصلوا بنا

الرئيسية

 

آذار الشهر المخصص لإكرام القديس يوسف البتول

 
 
     
 

برارة يوسف والمسيح في بيته

 
     
     
 

الكلمات الوحيدة التي خصّ بها المفكّر بسكال القديس يوسف هي: " يوسف، يا له من إنسان باطني، في نطاق شريعة خارجيّة كليّاً ! ". هذا عين الصواب. ما يلفت النظر عند يوسف هو، في الحال، أنه أمضى عمره في الداخل، في ظلِّ الآب الذي يمثّله والإبن المقيم في بيته والروح القدس الحالّ على امرأته، في سكوت الحياة الداخليّة والسجود واستجماع القلب والمشاهدة. فيه يتحقّق تماماً كلام الأب دى رافينيان القائل: " التوحّد وطن كبار النفوس، والسكوت صلاتهم".

رجل السكوت

يقول يوحنا بولس الثاني: " على مدى مسيرته الحياتية، لا تذكر الأناجيل كلمة واحدة نطق بها يوسف. لكنّ صمت يوسف له بُعدٌ خاص: إنّه يُفهِمنا تماماً الحقيقة الكامنة في قول الإنجيل عن يوسف إنه " صدّيق ". يجب أن نعرف كيف نقرأ هذه الحقيقة، فإنها تتضّمن أهمّ الشهادات في الرجل وفي دعوته".

لا ليس ليوسف كلمة واحدة في الأناجيل. فكأني به كان من الاندهاش حيال أبوّته، بحيث إنّه لم يَعُد يعرف ماذا يقول، أو كأنّه قد رُبِطَ لسانه. مريم العذراء أيضاً دَهِشتْ حيال أمومتها، وأكثر منه. فلماذا لم يُربطَ لسانها ؟ ذلك أنّه لولاها لما تجسّد ووُلِدَ منها ابن الله. أمّا يوسف فإنّ ابن الله تجسّد بدونه، ومع ذلك حَظي بنعمة فريدة: أن يكون له أباً، وإن لم يلده! ومنذئذٍ لم يعد يستطيع أن يقول شيئاً، ما عدا أن يُعجب ويسجد صامتاً.

قد يقول بعضهم: " يا للخسارة ! كم كنّا نودّ لو أنه نطق ليعبّر عن شعوره واندهاشه! " ...ولكن، أليس السكوت أحياناً أفصح وأبلغ من جميع ما في العالم من كلام؟... نلوم يوسف على سكوته الُمطبَق. ولكن ماذا نريد منه أن يقول؟ كان عليه ان لا يقول شيئاً. هل لحافظ سرّ أن يتكلّم؟ عليه أن يسكت ويكتم. كان على يوسف أن يحجب سرّ الحبل البتوليّ بابن الله المخلّص، فكيف يتكلم؟ على كل حال، لو يتكلّم لكان يقصّر في وصفه لحقيقة الولد وحقيقة أمه، أو لسموّ اندهاشه... لو يتكلم، تُرى هل كان من يصدّقه؟ ولو صدّقوه، هل كانوا ليفهموا؟ كان العالم اليهوديّ ينتظر مسيحاً غيرَ هذا المسيح الفقير المتواضع المجهول... لا، لم يكن ليوسف أن يتكلم. كان عليه أن يسكت.

وعليه، فإن يوسف كان سكوتاً في أدقّ مراحل حياته، لمّا أطلعته مريم على الحبل البتوليّ بابن الله. لم يشعر مرّة إنسان بالحاجة إلى أن يحدّث أحداً ما، كما شعر يوسف آنذاك. ومع ذلك فهو يفكّر وحده ساكتاً، ويعتزم ساكتاً، ويتقبّل ساكتاً فكرة الإنفصال المعذِّبة. أجل، إنّ " التوّحد وطن كبار النفوس، والسكوت صلاتهم".

وكان سكوتاً " على مدى مسيرته الحياتيّة". عند مولد يوحنا، الجميع يتكلّمون، حتّى ذلك الذي قد أُصيب بالخرس...عند مولد يسوع، الملائكة رنّموا، الرعاة مجّدوا الله، المجوس أذاعوا الخبر. أمّا يوسف ومريم فقد لزما السكوت: فرحهما، اندهاشهما، اعترافهما بالجميل، كلّ ذلك بقي دفيناً في أعماقهما. يقول صاحب المزامير: " إلزم السكوت أمام الرب الأزليّ "، وأيضاً: " أحفظ نفسي في السكينة والسكوت. نفسي عندي مثل طفلٍ عند أمه ".

وكان سكوتاً معذّباً لمّا سمع سمعان الشيخ يُنبيء، بوحي من الروح القدس، للولد ولأمّه، بعذابات رهيبة ستكون مثل سيف يجوز النفس والجسد.

وكان سكوتاً ساعة عثوره على الصبي في الهيكل بعد بحثٍ مضنٍ دام ثلاثة أيام. ماذا قال؟ لا شيء. ترك الكلام لمريم. أمّا هو فاكتفى بأن يسجد بالروح للولد الإلهي الذي كشف، لأول مرّة، عن علاقته الفريدة بالآب السماويّ.

وكان سكوتاً، حتى البطولة، حيال السرّ الرهيب الذي ائتمن عليه مع امرأته، والذي سيرافقه حتّى القبر. في أغلب الظنّ أن التجربة الكبرى التي كان ممكناً أن يتعرّض لها يوسف، هي أن يقول لأحدٍ ما، ولو مرّة واحدة، ولو بالسرّ : " هذا الولد هو المسيح الآتي، والبرهان كذا وكذا..." أليست هذه هي تجربة كل حامل سر يتعلّق بالخير العام؟ لكنّ يوسف لم يقع في التجربة.

قال أحدهم: " إن كانت العبقرية مخاضاً طويلاً، فالصمت رَحِمُها. وإن كانت القداسة محبة متواصلة، فالصمت نشيدها. وإن كانت الحياة رسالةً تُعلن، فالصمت منبرها، أو قيثارةً فالصمت وتَرُها".

هل نحن معنيون بسكوت يوسف، نحن أبناء عصر الخُطب والمقابلات والندوات والمؤتمرات والمحاضرات والمناظرات و " الطاولات المستديرة " والموسيقى الصاخبة حتى الهستيريا؟... إن كان الصمت يُرهبنا، أفليس لأننا نخشى الوقوف إزاء ذواتنا ؟ لكنّ المسيحيّ هو الذي يقف إزاء سرّ المسيح الفادي. هذا السرّ، ينبغي لنا، كما ليوسف ومريم، أن " نحفظه ونتأمّل فيه في قلبنا " (لو2: 19، 51) لكي نتشرّبه. وهذا غير ممكن بدون سكوت التخشع والسجود. هذا الأمر ليس، كما يتوهم بعضهم، شأن الرهبان والنساك. يعلمنا يوسف أن السكوت التأمليّ ليس وقفاً على الحياة النسكيّة أو الرهبانيّة. يكفي لذلك وضع حدّ لكل ازدحام نفسيّ تثيره شؤون الحياة وشجونها. فالسكوت يزيل الازدحام. السكوت يحرر. االسكوت يجرّد عن المنظور فيقيم الإتصال بالإله غير المنظور.

إن كنّا نخشى السكوت، فلنعلم أن الروح القدس، على حد قول أحدهم، " يخشى الضجة ". أيكون هذا ما جعله يرتاح في بيت الناصرة؟ بيت يوسف كان بيتاً بدون " ضجّة" ... فلنجعل نفوسنا وقلوبنا " بيوتاً " بدون ضجّة، فيأتي الروح القدس ويرتاح فيها، لكي يعلّمنا سرّ الفادي.