English

سجل الزوار

 اضفنا للمفضلة

اتصلوا بنا

الرئيسية

 

ما بعد بستان جتسماني   

 
 
 

 

(محاكمة يسوع)

لم يكن من حق المجمع اليهودي أن يحكم على السجين بالإعدام؛ لذلك كان من الضروري أن يحصلوا على تعاون وموافقة الرومان، وبالتالي هذا يتطلب أن يذهب يسوع إلى البلاط الروماني حيث يلتقي مع بيلاطس البنطي.

هناك ثلاث مراحل في كل من المحاكمة اليهودية والرومانية.. فبعد القبض على يسوع أخذوه إلى دار حنّان، وهناك استجوبوه بطريقة غير رسمية. لكن المرحلة الثانية من المحاكمة اليهودية حدثت أمام قيافا ومعه بعض أعضاء المجمع الذين كانوا مع رئيس الكهنة في تلك الساعة من الليل.وعندما اعترف يسوع أنه هو المسيح وجد فيه المجمع إنساناً مجدّفاً وطبقاً للناموس فهو يستحق الموت. لكن كان من الضروري أن يجتمع المجمع في الصباح الباكر لكي يوجّه إليه التهمة لأنه لم يكن قانونياً ان تُناقش قضية في الليل. لذللك فالمرحلة الثالثة من المحاكمة اليهودية حدثت في الصباح حيث أدان القادة يسوع وحكموا عليه بالموت.

أما عن المراحل الثلاث بالنسبة للمحاكمة الرومانية فكانت أولاً أمام بيلاطس، ثم أمام هيرودس ثم المثول مرة ثانية أمام بيلاطس... والمحاكمة الرومانية التي أجراها بيلاطس كانت تدور حول أربعة أسئلة أساسية .

أولاً: ما هي الشكاية؟

بمجرد أن صدّق المجمع على إدانة يسوع أخذه الجند إلى المكان الذي كان يوجد فيه بيلاطس أثناء عيد الفصح- وكان من المعتاد أن يوجد الحاكم الروماني في أورشليم أثناء عيد الفصح لمواجهة أية اضطرابات أو مظاهرات قومية يقوم بها اليهود. كان منطقيّا أن يسأل بيلاطس عن التهمة الرسمية التي أدين بها يسوع. لكن بدلاً من أن يجيبوه بصراحة بدأوا يمكرون عليه- الأمر الذي ربما جعل بيلاطس يشكّ في الأمر. ويذكر في الكتاب قائمة بثلاث تهم: يُفسد الأمة، منع أن تعطى جزية لقيصر، يدّعي أنه هو المسيح ملك اليهود.عندما نفحص هذه الإتهامات الثلاثة المقدمة ضد يسوع بجدية سنكتشف على الفور أنها خالية تماماً من أي سند- فقالوا إنه "  يفسد الأمة" .. فهل يفسدها سياسيا أم دينياً. وإذا تأملنا في الإتهام الثاني إنه يمنع أن تُعطى جزية لقيصر فنرى أنه عمل على العكس من هذا تماماً.. مثال " أعطوا إذاً ما لقيصر لقيصر وما لله لله". وهو قد ادّعى أنه ملك ولكن ليس بالمعنى السياسي، وحتى تلاميذه لم يفهموا هذه الحقائق فهماً تاماً إلا بعد قيامته فلا عجب إن كان الشعب العادي قد أساء فهمها. ولا شكّ أن قادة اليهود الدينين كانوا يتلمسون أية أدلة ليثبتوا من خلالها اتهامهم له، وكانوا على استعداد أن يستأجروا شهود زور.

ثانياً: هل أنت ملك اليهود

إن بيلاطس شعر بنوع من الأمان عندما سأل المسيح عن ملكوته. لكنّه لم يكن مستعدّاً لإجابته.. " أنت تقول" ثم اضاف يسوع إلى إجابته سؤالاً: " أمن عندك تقول هذا أم آخرون قالوا لك عنّي" وبالتالي كان بيلاطس هو محل الإستجواب لا يسوع!

إن ردّ بيلاطس على يسوع يوضح كيف كان يفكّر الرومان في اليهود.. " ألعليّ انا يهوديّ؟" وبدون شك كانت هناك نبرة واضحة من السخرية والتهكم في صوت بيلاطس؛ وذلك لأن يسوع كان سجيناً ليس لأن بيلاطس قبض عليه لكن لأن أمته قبضت عليه! لذلك سأله بيلاطس " ماذا فعلت؟ " وبنعمة غامرة رضي يسوع أن يتكلّم عن نفسه وعن مملكته.. نعم لقد أقرّ أنه ملك، لكن مملكته ليست من هذا العالم؛ فاليهود تحت سلطان الرومان، وبيلاطس تحت سلطان الإمبراطور، لكن سلطان يسوع ينبع من الله. فمملكته مملكة روحية في قلوب أتباعه، وهو لا يعتمد على وسائل عالمية أو جسدية لامتداد هذه المملكة. ويسوع لم يخبر بيلاطس عن أصله فحسب، لكنه شرح له أيضاً رسالته.. ليشهد للحق.

 أمام متهميه وقف يسوع صامتاً، وصمته جعل بيلاطس يتعجب. ألا يستطيع الملك أن يدافع عن نفسه؟ وإن لم يتكلم فكيف يستطيع أي إنسان أن يصل إلى أي دليل؟ لقد وقع بيلاطس في حيرة. حاول أن يرسل يسوع إلى هيرودس ولكنّ هيرودس رد يسوع مرة أخرى إلى بيلاطس. وكل ما حدث أنه تمّ الصلح بين هذين الحاكمين، لكنّ قضية يسوع لا تزال في يد بيلاطس، وكان عليه أن يتعامل معها.

ثالثاً : هل تريدون أن أطلق لكم ملك اليهود؟

عندما لم يجد هيرودس في هذا السجين أي أمر يستحق الموت تشجع بيلاطس لكي يواجه قادة اليهود محاولاً أن يطلق سراح يسوع. ولكن باءت جميع محاولاته بالفشل.. وللمرة الثالثة يعلن بيلاطس أمام الجمع " لست اجد فيه علّة " ... لقد كان حاكماً ضعيف الإرادة يريد أن يهادن ويرضي كل الناس. عرّف المعلّم الصيني الشهير كونفوشيوس" الجبن" بأنه

" معرفتك لما هو صواب دون أن تعمله "

رابعاً: من أين أنت؟

كان للرومان واليونانيين أساطير كثيرة عن الآلهة التي تأتي إلى الأرض على هيئة بشر، ولعل بيلاطس كان في ذهنه تلك الأساطير وهو يسمع عن " ابن الله " ولقد انبهر هذا الحاكم بكلمات وسلوك الرب، فهو لم يقابل سجيناً مثله من قبل ولعله تساءل: هل هو حقّاً إله أتى إلى الأرض؟ بدون شك بدا الخوف يدبّ في قلب بيلاطس. وعلاوة على ذلك فقد أرسلتْ له زوجته رسالة قائلة فيها:"إياك وذاك البار" فقد رأت يسوع في أحلامها.

إن الضغب والخوف دائما يسيران معاً.. فعندما نخاف نكون ضعفاء، لذلك فنحن نتخذ الجانب الآخر محاولين أن نبدو وكأننا أقوياء- وهذا ما فعله بيلاطس وهو يذكّر يسوع بسلطاته الرومانية، لكن عبارته لم تدل على قوته، بل بالعكس أظهرت ضعفه. وإن كان له سلطان أن يطلقه فلماذا لم يفعل هذا؟ لقد أدان نفسه بكلمات كبريائه! ولقد غسل بيلاطس يديه قدام الجمع لكنه لم يغسل قلبه. نعم لقد كان بيلاطس أمام الإمتحان لا يسوع

من وجهة النظر الإنسانية كانت محاكمة الرب يسوع هي أعظم جريمة وحادثة في التاريخ، ومن وجهة نظر الله كانت اتماماً للنبوءات وإكمالاً لإرادة الله. وكون أن الله كان مخططا لكل هذه الأمور فهذا ليس معناه أنه يعفي كل من اشترك في هذا الأمر من المسؤولية.

لقد كان كل من الشعب والحاكم أمام الإمتحان، وكل منهما فشل فشلا ذريعاً... أرجو أن لا نفشل نحن أيضاً.