English

سجل الزوار

 اضفنا للمفضلة

اتصلوا بنا

الرئيسية

 

ضفروا إكليلاً ... وكللوه به ... وهزأوا به

 
 
 

نالت الراهبة ألفونسين نعمة الدعوة إلى الحياة الرهبانية التي كانت تطلبها لأختها حنة. فتفرغت بعدها للصلاة من أجل غاية أخرى تحدّثت عنها هي نفسها في مذكراتها، قالت:

"عزمتُ عزماً ثابتاً أن أعلن ذلك كله للمرشد الذي تتوخاه أمي. وطفقتُ أتلو صلوات حارة وأمارس تقشفات جزيلة وأحث البنات ليصلين لأجلي وألتمس من أمي ليل نهار أن تتنازل وتُطلعني على من يلزمني أن أشرح له حالتي ودعوتي، وتريني من هو هذا الذي تصطفيه محبتها لإنشاء هذه الرهبنة. لأنّ ما كابدته من المرائر والعذابات من المرشدين الغير الخبيرين اضطرني أن لا أثق بالناس. فكنت أصلي  وألتمس وأترجى منها لتُطلعني بعلامة واضحة على المرشد الحقيقي وكنت أسألها أن يكون المختار من أبناء جنسنا الشرقيين، إنما كان قلبي مضطربا، وكان صوتٌ خفي يناجيني قائلا:

" تممي إرادة أمك".

" فكنت أصلي  وأبكي وأتنهد وأقول: "يا أمي، من هو؟ ولمن أبلّغ سرك؟" وأخيراً رأيتُ إكليلا من نجوم على وجه الأب يوسف طنوس الموقر يلمع كثيرا . وتجدد هذا المنظر نحو سبع دفعات في أوقات مختلفة وشعرت بصوت يخافتني قائلاً: "هذا هو المرشد المختار من أمي مريم البتول" فعزمتُ أن أقصده وأفاتحه في ذلك. ولكنني أخجل وأسكت وأتضرع إلى أمي كي تعينني. ليت شعري! ما أصعب فتح القلب وإرشاد الضمير!

"وفي تلك الغضون تجلت لي أمي في الحلم واقفة بالقرب مني ويسوع الطفل على ذراعيها.

_ فقلت لها : يا أمي، أسعفيني و نوريني.

_ فقالت : أما فهمت ؟ هذا هو المرشد، هذا هو الذي ألهمتك إياه في الرؤيا. والآن أقول لك هذا هو الأب المحترم يوسف طنوس الذي وضعت إكليل النجوم على وجهه، فإياه أعطيك مرشداً ومدبراً لك . وأنا أعينه واجعله يهتم ويعتني بتدبير رهبنة الوردية.

_ فقلت لها بدالة: يا أمي، كيف تختارينا نحن الفقراء المزدرين؟ لماذا لا تصنعين ذلك في أوروبا في بلاد الأغنياء؟

_ فتبسمتْ قائلة: أذكري، يا ابنتي، أنه من بين الشوك يخرج الورد. إني في هذه البلاد فرحت وحزنت وتمجدت. فمنكم وبكم أظهر قوة يدي.

"فانتعشت وتغلبت على ذاتي وطلبت مرشدي المختار من أمي البتول وشرحت له حالتي ودعوتي، وكشفت له أسرار قلبي وشعرت حالاً براحة قلب عظيمة. وقد أفادني حضرته بتعليماته المقدسة وإرشاداته الصالحة. وغدوت ألقي به ثقة عظيمة، ورحت اسأل أمي مريم كي تعينه وتسهّل له ما لا بدّ منه لتتميم إرادة الله وإرادتها ".

اقتنع الأب يوسف طنوس بحقيقة الدعوة التي وجهها الله إلى ألفونسين. فأمرها أن تدوّن كل ما رأت وسمعت بشأن رهبنة الوردية المقدسة. كما أسرّ إليها بالرغبة التي أبدتها له فتيات مقدسيات كثيرات في تأسيس رهبنة وطنية تكون تحت حماية مريم العذراء. إلا أنه كان حائرا في أمر تسميتها. فها هي ذه مريم العذراء نفسها تريد منه أن يدعوها باسم رهبنة الوردية المقدسة. وبذلك طفح قلبه سرورا وارتاح باله.

كان الأب يوسف طنوس من عشيرة يمين اللبنانية الأصل[1]، وهي من أكثر عشائر الناصرة أهمية واعتباراً. جاء به والده البطريرك يوسف فاليركا حالما أعيد تأسيس الكرسي البطريركي اللاتيني في القدس (سنة 1847) وهو لا يزال في العاشرة من عمره. فشجعه البطريرك على الانخراط في سلك الكهنوت. وافق والده وادخله المدرسة الإكليريكية حيث برزت للحال مواهبه الفريدة وتقواه العميقة وعلى الأخص حبه وتعبده لمريم العذراء. وفي اليوم  الثلاثين من شهر أيار سنة 1863 سيم كاهناً وأقام ذبيحة القداس للمرة الأولى على الجلجلة ودموع الفرح والشكر تبلل وجنتيه. وسرعان ما اكتسب الأب يوسف ثقة البطريرك فاليركا واحترامه، فعينه هذا سكرتيراً له في القصادة الرسولية في سورية[2] سنة 1866 ولما يتجاوز الثامنة والعشرين من العمر. وبعد ذلك بسنتين أقامه أمين سر البطريركية اللاتينية في القدس.

 

غدا بذلك ألزم رفيق وأقرب مساعد للبطريرك في مشاريعه وفي أسفاره في الشرق والغرب على السواء. وكان يحظى بالصداقة والعطف من أساقفة الشرق وبطاركته الذين اتصل بهم بحكم وظيفته كسكرتير للقصادة الرسولية في سورية. وفي سنة 1867 اصطحبه البطريرك في سفره إلى أقطار أوروبا، ثم عاد وأشركه معه في المجمع الفاتيكاني الأول كسكرتير خاص ومستشار لاهوتي. وفي أثناء هذه الأسفار أنعم عليه سلطان الأتراك وملكة الاسبان بأوسمة لم يتشح بها قط. وعينّه البطريرك سنة 1871 قانونياً للقبر المقدس وعضوا في مجمعه البطريركي.

 

أما البطريرك منصور براكو فقد احتفظ به أميناً لسر البطريركية وعينه سنة 1880 " أبا روحانيا" للكاثوليكيين مسؤولاً عند السلطات التركية.

جنى الأب يوسف من أسفاره ومن الاتصالات التي ساقته إليها وظيفته خبرة واسعة أفاد منها لخدمة بلده. فكان يلاحظ كل شيء بانتباه ويوازن بين ما يشاهده في الغرب وفي الشرق. فشعر بالإهمال الذي تعاني منه الفتيات في بلاده. وبناء على ذلك وجّه اهتمامه على أخوية بنات مريم المقدسية التي بدأتها الراهبة ألفونسين مند سنين. فكان لا يبخل عليهن بالتشجيع سواء كان واعظا أو مرشدا. لذلك فاضَ قلبه فرحا وامتلأت نفسه تعزية يوم رأى سبعاً من أولئك الفتيات يتقدمن متطوعات بحمية لتأسيس رهبنة وطنية تروم التقدم الروحي في البلاد. وقد ساقت إليه العناية الإلهية في تلك الأيام أيضاً الراهبة ألفونسين لتسانده باقتراحاتها وتوجيهاتها: فهي التي حثته على الشروع في تأسيس الرهبنة الجديدة تحت حماية مريم العذراء سلطانة الوردية المقدسة واسمها، وهي التي أملتْ عليه أيضاً الخطوط العريضة لقوانينها.

ثم أن الأب يوسف استأذن البطريرك منصور براكو واستأجر  داراً صغيرة لإيواء الهاديات من راهبات الوردية تقع في منتصف الطريق بين البطريركية اللاتينية ودير الآباء  الفرنسيسيين[3].  وفي 10 تموز سنة 1880، في عيد الإخوة الشهداء السبعة أقام ذبيحة القداس أمام طالبات الرهبنة السبع للمرة الأولى على جبل الجلجلة.  وفي الخامس والعشرون من شهر تموز دخلن بيتهن الجديد  وقبّلن أعتابه وهنّ ينشدن مع مريم العذراء نشيد "تعظم نفسي الرب" بقلوب مفعمة حباً وشكرا وحبوراً.

 ولمّا دخلن كنيسة البطريركية اللاتينية في اليوم التالي لحضور ذبيحة القداس شخصت إليهن العيون كلها ولقين الكثير من التشجيع والتهنئة.  أما الأب يوسف الذي كلّلته العذراء، فقد أحسّ عندئذٍ بالشوك الذي تخفيه الورود،  وكان لا بدّ له من أن يذوق كأس السخرية والإهانة التي شربها معلمه الإلهي.  فقد جاءه بعض كبار أهل القدس حال انتهاء الصلاة ووبخوه على عملة هذا، إذ هو في رأيهم مجازفة وجنون ومشروع فاشل لا محالة.  فلم يجزع هذا الكاهن الفاضل من كلامهم بل ازداد إيماناً بالله واتكالاً على عنايته. ثم إن أولئك الطالبات انصرفن إلى العمل بروح سامية تهوى البذل والصلاة لكسب معيشتهن اليومية. فأخذن يزيّن ّالبطاقات بالأزهار الطبيعية ويبعنها للزائرين0(1).  وكثيرا ما اضطرتهنّ الفاقة إلى الشغل طول الليل بحيث كان جرس دير الآباء الفرنسيسيين يُقرع إيذاناً بصلاة الملاك صباحاً وهنّ ما زلن ملتفات حول قنديل صغير ومنهمكات في عملهن.  وإن كان فقرهن شديداً، فلم يعرف اليأس إلى نفوسهن سبيلاً.  فكم من مرة اكتفين بأوقية من اللحم لمدة ثلاثة أيام! لقد أحببن هذه الحياة القشفة إلى جانب التأمل والصلاة. وانْ كان بعضهم قد سَخِرَ منهنّ وأدّعى أنهنّ لن يثبتن أكثر من أربعة أسابيع،  فقد جاءهن الأب يوسف في نهاية آب وقال لهن:

_ أرى إنكن لا تزلن هنا!

_ فأجبنه بسرور: وسنبقى هنا سنة بل سنتين أيضا.

_ وقالت رجينا كارمي : لن أغادر هذا المكان أبداً، ولو أرادوا قتلي.

انقضت سنة كاملة وما زلن من دون ثوب رهباني رسمي بسبب فقرهن، إلى أن ألهم الله سيدة فاضلة من مدينة ليون في فرنسا فتبرعت بالنسيج اللازم وهكذا قبلن الثوب أخيراً من يد البطريرك منصور براكو في اليوم الخامس عشر من شهر كانون الأول سنة1881.

أما عن دهشة الشعب في عيد الميلاد فحدّث ولا حرج! فقد رأوا في الكنيسة راهبات مكتسيات ثوباً  أزرق يغطيه معطف اسود،  ويعلو صدوره طوق (ياقة) ابيض تدلّت عليه سبحة سوداء.  وقد لفتن الأنظار والألباب وتساءل الكل عن هوّيتهن،  فكان الجواب يسري على جميع الألسنة:

 

" إنهن راهبات الوردية الجديدات!"

 

 

[1]هاجر من لبنان أخوان من عشيرة يمين وانتهى بهما المطاف إلى الناصرة قبل نحو ثلاثة قرون . ومن نسل هذين الآخرين تفرعت أكثر الأسر الكاثولوكية في الناصرة

[2] كان مركز القصادة الرسولية لسورية عندئذ في بيروت.

[3] لم تبق الطالبات مدة طويلة في هذه الدار المعروفة بدار حجيج، بل تمكنَّ بعد وقت قصير وبمساعدة غبطة البطريرك براكو من شراء دار أخرى خلف كنيسة البطريركية اللاتينية لا تزال راهبات الوردية مقيمات فيها.