English

سجل الزوار

تقويم رهبانية الوردية

 اضفنا للمفضلة

اتصلوا بنا

الرئيسية

 
 

الدعوة الى الايمان ج2

 
 
 

 

 
 

        منذ لحظة جوابنا على دعوة الله الأولى لنا الى الحياة، أصبحت حياتُنا تتابعًا لدعوات مستمرّة: منها الكبير ومنها الصغير، منها المباشر ومنها غير المباشر، منها الظاهر ومنها المُستتر.... انما الداعي هو دوما نفسه، الله الآب الذي، بعد أن دعانا الى الحياة، يدعونا الآن الى عيش هذه الحياة بملئها، إلى أبعد حدّ يمكننا الوصول اليه، او حتى الى تجاوز هذا الحدّ. وكل ذلك بحسب مخطّطه الخلاصي.

         وهنا أيضا، يدعو الله حرية الانسان المدعوّ الى عمل سرّي وحاسم طيلة الحياة. الايمان بالله او عدم الإيمان به. الايمان الذي يعني التزاما كاملا يشملُ الكيانَ كلّه، ومحبّة الله بكامل القلب والذهن واليدين والرجلين ومواطن القوة والضعف والعواطف... الايمان والتعلّم كيفية الثقة بالله.

         لا نريد ان نتوسّع في تحليل لاهوتي او نفسي لعمل الإيمان، لكننا لا نستطيع إلاّ أن نُركّز على أهمية فعل الايمان الشخصي في حياتنا وفي خياراتنا، وهو موضوع قد لا يتمّ التركيز عليه بما فيه الكفاية في مختلف مراحل التكوين الرهباني. ماذا يصبح تكريسكم ان هو لم يكن نتيجة اختيار مؤمن، يُصحَّح باستمرار ويُعاد التفكير فيه باستمرار خلال مراحل حياتكم؟

         نذكُر الآن بعض الأفكار والمعاني الأساسيّة في عمل الايمان، وفي الدعوة الى الإيمان والتي لها علاقة بموضوعيّ الإيمان والدعوة. فالدعوة الى الايمان تظهر أساسًا في سلسلة من "النداءات" اللاحقة، والموجّهة الى الانسان الحرّ في حواره مع الله الذي يدعو.

 

 الدعوة الى التسامي والى مستوى السرّ

         لنأخذ مثلا أكيدا وواضحا: ابراهيم الذي تزامنت دعوته الى الايمان مع اكتشاف دعوته الخاصة. نتخيّل ابراهيم دوما رجلا كهلا له لحية بيضاء، لكن لا بدّ أنه كان شابّا عندما دعاه الله لأن يترك أرضَه وعشيرتَه وعملَه وكلّ ما كان له علاقة بهويته، حتى اسمه، ليذهب الى أرض غير محدّدة: "التي سأُريك أياها" (تكوين، 12،  1)، وكذلك الجبل الذي طلب منه الله أن يقرّب عليه اسحق ابنَه (22،  2)الذي أصبح مركز حياته وموضع حبّه، مقابل وعدٍ غامض، لا يدخلُ في منطق البشر ولا في طريقة حساباتهم... رهانٌ فاشلٌ بشريّا.

         ما هي قوّة هذا الكهل، الشاب في قلبه؟ هي فقط قوّة الرجاء والاستسلام لله والثقة بمخطط الله المليء سرًّا ورحمةً، "الله يدبّر يا بني، الله يدبّر" (تكوين 22،  8). نستطيع ان نرى في حادثة ابراهيم مختلف مراحل "مسيرة الايمان"، مسيرة بطيئة يقودها الله، ويدعو فيها باستمرار الى الصعود نقطة بعد نقطة، والى التسامي باتجاه السرّ، والى عدم التوقف عند الأمور الواضحة والخطوات الأكيدة، والأهداف السهلة والآفاق التي تُرى بالعين المجرّدة. كما يدعو الى عدم التحرّك فقط عندما تكون جميعُ الأمور واضحة، بل الى السير بخطى الله والمحبة على إيقاع ضربات قلب الله.

         هذا هو الايمان. تحدٍّ. أن نرمي أنفسنا لا لأننا نعلم أين سنقع، بل لأن الله هو الذي يدعونا الى أن نرمي ذواتنا، ولأننا متأكّدون من أننا سنجد أنفسنا في النهاية بين يديه. الايمان هو المرور من عقلية الأمان والحذر والبحث عما هو أكيد وواضح ومضمون، الى الشجاعة في المغامرة فيما هو صعب ويبدو تحقيقُه مستحيلا، وحيث نقطة الاعتماد ليست قوانا ولا مواهبنا نحن بقدر ما هي وجود شخص ينتظرنا ويجذبنا اليه والى السير نحوه. هذا هو منطق الانجيل: "السير على الماء" (متى 14،  29)، وهو أمر مستحيل بنظر البشر، لكنه ممكن إن بقي نظرُنا مركّزًا على يسوع المسيح، مع القناعة ان نظره يحمي من يثق به  حتّى لو "سلك في الظلمة وظلال الموت" (مزمور 22،  4)، حتى لو، بسبب الضعف البشري (أو قلّة الايمان)، تغلغل الشكّ وصرخ المؤمن صرخة القلق والخوف: "يا رب نجني".

         الايمان هو المرور من المنطق المبني على الوضوح التام لدى الشخص المعني الى منطق الثقة التامّة بشخص آخر، ثقة لا تقع تحت التجربة والبرهان. منطق صعب وسرّي، وليس طبيعيّا، لكنّه محرِّرٌ ويساعد الانسان على تحقيقٍ كاملٍ للذات، يفوق تحقيقَ الذات الناجم عن مجرّد الثقة بالنفس وقوانين المنطق البشري وحسابات الربح والخسارة. ماذا تصبح حياتكم، ايها الشبان، إن لم تتعلّموا كيف تتخطّون حدود التفكير البشري؟ ما هو مستقبل شاب لم يتعلّم كيف يتسامى عن الحسابات البشرية التي توحي بالطمأنينة، لكنها تخفي دوما قلقًا ما؟

        أيها الشباب الأعزاء، الايمان لا يعني أن نزرع البقول بالعكس وننتظر الثمر، بل يعني القناعة ان المنطق البشري لا يكفي وحده لفهم منطق الله، وان الإدّعاء انْ تكونَ جميعُ الأمور دوما كما يرام (النذور والحياة الجماعية والأعمال الرسولية...)وأن تدخُل ضمن إطار تفكير بشري واضح، هذا الإدّعاء ناقص ويؤذي الحرية البشرية، علاوة على أنه يجعل الحياة روتينية وخافتة. الحياة نفسها ستطلب منكم ان تتخطّوا الأطُر البشرية الضيقة، وعندئذ يظهر لكم الايمان كإمكانية تحقيق جديدة للحياة، حسب مخطط الله الذي يعمل فيكم العظائم، ويجعلكم تسيرون على المياه...

 

 الدعوة الى العراك والى التطويبات

         لنعُد الى "أبينا" ابراهيم. فالإيمان فيه دعوة أيضا الى "العراك" مع الله. عراك صعب مع سرّه ومع إرادته، مع الشعور بالتواجد أمام إله مختلف، يطلب المتناقضات، يطلب المستحيل، قاسي القلب. ومع ذلك لا يهرب ابراهيم من أمام هذا الإله، ولا يتحاشاه، بالرغم من شعوره انه بعيد جدا عن حياته ومصالِحِه وموضوع حبّه. ومع إرميا النبي الذي يصف الله بأنّه "تيّار جارف"، يواجه ابراهيم هذا الإله ويتعامل معه. وهكذا، ابراهيم والكثير من أصدقاء الله والقريبين منه، من يعقوب الى أيوب، من موسى النبي الى يسوع نفسه، كلّهم اختبروا أمرا لسنا معتادين على التعامل معه، وهو العراك مع الله، العراك الروحي.

         أمر غريب. لكن الواقع ان صديق الله، ومن يريد ان يدخل مع الله في علاقة حميمة، ينبغي عليه أن يدخل في صراع معه، أن يمرّ بمرحلة يرى اللهَ فيها بكل اختلافه عن البشر وبكل تسامِيه، الله الذي طرقُه ليست طرقَنا وأفكارُه ليست أفكارَنا. هكذا يتصرّف الله المربّي. فهو لا يغفل عن أحد، ولا يغفل عن أيّ منكم اليوم.

         إعلموا ذلك أيها الشباب الأعزاء. تنشئتكم يجب ان تُهَيِّئَكم للعراك مع الله. فالتنشئة ليس عملا في البستان، وحيث كانت التنشئة هكذا (للأسف)، فهي لا تُنشئ أشخاصا ناضجين في الايمان، بل أشخاصا ميّالين الى الرفاهية والبورجوازية في الايمان. العراك ضروري لأن الشخص البشري هو أساسًا سرّ ولا يمكن الإحاطة، بشريًا، بكل مكوّناته. من هنا، يتواجه الشخص البشري باستمرار مع شخص آخر، ويجب ان يتخطّى واقع الاختلاف الموجود فيه وفي الآخر.

         وهنا يظهر الاختلاف الجوهري: يمكن للعراك ان يكون نفسيا فقط، أي متمحورًا حول الأنا وضد الأنا او ضد جزء من الأنا، كما يمكن ان يكون روحيّا، أي عراكًا مع الله، مع متطلباته وتطلعاته الغريبة دوما، والتي تتخطى كلّ ما يفكر به الإنسان او يتمنّاه لنفسه. العراك الأوّل باطل وعديم الفائدة ولا معنى له ومُتعب، لأنه يفتقد الى ثوابت خارج الأنا، ولأن الأنا حاكم ظالم على نفسه. ومن علامات هذا العراك النفسي على سبيل المثال عدم قبول الذات والتشدّد في قبول ضعف الآخرين والغضب القاسي من الذات لدى اكتشاف مواطن الضعف او العجز الشخصية. هو عراك "الابن الأكبر" فينا الذي يعارض بكل قوّته عودة "الابن الأصغر"، أي رفض المسامحة وإعادة تأهيل "الحلقة الضعيفة" التي تسكن في كل واحد منا. لذا نرى كثيرا من الشباب يعاركون في السنة الأولى ويبذلون جهودا مضنية، ثم يصِلون الى القناعة بعدم جدوى العراك. هذا هو نوع الحياة الباهتة التي سببُها عراكٌ خاطئ في البداية، عراكٌ موجّه الى أنفسنا وضدّ أنفسنا.

         اما العراك الروحي، فهو عراك سليم، لأنه عراك مع الله. ذلك أنه لا أحد يطلب من الإنسان ما يطلبه الله منه، وبالتالي الله هو الوحيد الذي يتجرّأ ويطلب من الانسان ما يؤهّل الانسانَ ليكون في المستوى الذي يريده الله له. وهو عراكٌ بين الله الذي يعطي أوّلاً ثم يطلب، وخوف الانسان الذي يتصعّب في إعطاء الثقة. عراكٌ بين محبة الله المجانية، وادّعاء الانسان انه يستحق المحبة. عراكٌ يصب أخيرًا في مصلحة الانسان الذي سبق له واختبر كيف يعمل الله: فهو يجرح ثم يشفي، يعاقب ثم يدعو من يحبّهم، يعارك طوال الليل مع يعقوب، ثم يُظهر له محبته، الإله الذي "يُغري" كي يجذب اليه إرميا النبي، الإله الذي يصارع شعبا طوال التاريخ ليظهر له اختياره المجاني والحرّ.

         "ان نخسر". العراك مع الله يعني انفتاح الحياة على آفاق جديدة لم يفكّر فيها أحد. يعني انفتاح الشخص على امكانياته وطاقاته المخفية، يعني التعلّم كيف نوافق رغباتنا مع رغبات الله وعلى طريقة الله، يعني البدء بتذوّق الحرية في الارتماء في حضن الآب، في الثقة التامة، في التفكير في المستقبل حسب ما يريده الله، لا حسب ما توحي به توقّعات البشر. يعني بالنسبة للشاب الذي اختار العفّة المكرّسة، أن يتعلّم كيف يحبّ كما يحب الله، وأن يحبّ بقلب الله...

         ايها الشباب الأعزاء، تعلّموا ان تتعاركوا مع رغبات الله، لأنكم مدعوّون الى تبنّي هذه الرغبات. هي هويّتكم، ولو أنها تُخيفكم. وما هو ليس ثمرةَ عراك لا يتأصّلُ في القلب، ولا يُعطي الفرح، ولا يصبح جزءًا من الأنا ولا يصل الى درجة القناعة العميقة. لا تخافوا مما يطلبه الله منكم او يقدّمه لكم. ولا تُبذِّروا جهودَكم في العراك الداخلي مع أنفسكم، ولا تنغلقوا في ذواتكم في آفاق قد تبدو جميلة، لكنها ليست ذات قيمة مقارنةً بما أعدّه الله لكم. فبدل ان تتعاركوا مع ضعفكم، تعاركوا مع قدرة الله التي تظهر في ضعف البشر... واقبلوا ان تخسروا في هذه المعركة غير المتكافئة مع الله، لأن الاعترافَ له بالغلبة يعني تحقيقَ دعوتكم، وتحقيق ما يريد الله لكم، أي أن تُحبّوا كما يحب هو وأن ترغبوا ما يرغبُه هو وأن تقبلوا ما يرسمُه هو لكم. استسلموا له ولسرّه. هنا يكمن سرّ الثقة بالله، وبالتالي سرّ الفرح الكامل والتطويبات. هذا ما تقوله قصص أحباء الله الذين قبلوا العراك معه، ووصلوا بفضل هذا العراك الى تحقيقٍ كاملٍ لأنفسهم بشكل يفوق ما كانوا يطمحون اليه. لننظر الى أبوّة ابراهيم التي لا نهايه لها، النسل الذي هو بعدد رمل البحر... لننظر الى مؤسسي الجمعيات الرهبانية. رجالٌ ونساء خاطروا بحياتهم ليكونوا أكثر قربًا من الله (راجع إرميا 30،  21). تعاركوا مع الله وخرجوا من المعركة "بجرح" دائم (تكوين 32،  23 وتابع). هم بالنسبة لنا بمثابة الروّاد الذين سلكوا الطريق قبلَنا ودخلوا أرض الميعاد "سريًّا"، ثم عادوا ليخبرونا ما رأوا (أرضًا تدرّ لبنًا وعسلا)، وليحثّونا على عبور "وادي يبّوق" (تكوين 32،  23)او نهر الأردن (عدد 14، 6-9)، لنحظى ببركة الإله السرمدي. هذه البركة هي التي تجعلكم سعداء طوباويين. لا شك ان صعود سيناء أمرٌ محفوفٌ بالصعوبات، لكن ان كان الله معكم، يتحوّل ذلك فرحا، و"الكلمة الأخيرة للفرح، لا للألم والحرمان والصليب".

         الطوبى في أن نكون مدعوّين هي إذًا تحقيق الحياة والهوية بحسب ما يرسمه الله لنا وحسب دعوتنا الشخصية. الطوبى هي مفاجأة الايمان أمام ما يمكن ان يعمله الله في حياة من "يعارك ويخسر" معه. هي المفاجأة المجانية للمؤمن الذي يستسلم لسرّ الله، فيكتشف ذاتَه في دائرة قوّة الله التي تحوّله الى ما يريده الله له. الطوبى هي مصبّ الايمان، وهي بداية دعوتكم كشباب مؤمنين.

 

 

 

الدعوة ... حوار بين حرّيتين ج1