English

سجل الزوار

 اضفنا للمفضلة

اتصلوا بنا

الرئيسية

يقول الرب " توبوا إليَ بكل قلوبكم بالصوم والبكاء والندب، مزقوا قلوبكم لا ثيابكم" فتوبوا إلى الرب. الرب حنون رحيم، بطيء عن الغضب، كثير الرحمة، نادم على السوء" يوئيل 2: 12-13

 

الدعوة حوار  ج4

 
 
     
 

 

"أيها الشاب لك أقول قُم" (لوقا 7، 14)

 
لا نريد ان نأخذ هذا الاقتباس من انجيل لوقا بالمعنى الحرفي. فلا يوجد أمامنا شابٌّ ميت. لكن نريد ان نطبّق كلمات المسيح هذه القويّة على شباب اليوم المدعوّين الى حياة التكريس، وخصوصا على من يحتاج منهم إلى أن "ينهض" من حياة تفتقر الى الحماس، حياة روتينية وباهتة، حياة خائفة من تحديات العصر، نطبّقها على من لم يعُد يشعُر أنه شاب.


لنحاول اذا أن ندخل في عمق هذه الكلمات التي تعبّر عن سلطة المسيح المطلقة على الحياة: "لك أقول..." أتخيّل أنه لو قُدِّر للمسيح أن يخاطبَكم اليوم، لقال لكم يا يلي:


"ايها الشاب المكرّس، "تمتّع بشبابك" (الجامعة 11، 9). ثمِّن زمن التكوين الذي تعيشه، فإنه زمنٌ خاص ولن يتكرّر، زمن نعمة مليء بالنّعم والمواهب. هو فترة من حياتك ينبغي أن تعيشها بملئها، دون تسبيق ولا سرعة، دون هرولة نحو المستقبل ولا حنين الى الماضي. عشتُ أنا أيضا هذه الفترة من العمر على الأرض ولمدّة طويلة نسبيًّا. قبلتُ أن أكون خاضعًا لمن وضعهم الله الآب مرافقين لي ومربّين.

لا شكّ أن الأمور لم تكن دومًا سهلة لي ولهم، فتربية ابن الله المتجسّد ليست عملية بسيطة... ومع ذلك احترمتُهم وأحببتُهم دومًا. هكذا اقبل أنت أيضا مربِّيك كهبة من أبيك السماوي وساعدهم في عملهم التربوي. قد لا يكونوا أفضلَ من غيرهم، لكن الله هو الذي وضعهم في طريقك، وهذا كافٍ كي تثقَ بهم وتضعَ نفسك بين أيديهم. فأنت بذلك تضعُ نفسك بين يديّ الله. وعملية تكوينك ستستمرّ طيلة حياتك، لأن عليك أن تتعلّم طول عمرك أن تتشبّه بي، حتى بَذلِ الذات في سبيل الآخرين، وهذا أمرٌ صعب. فأنا أيضا تردّدتُ بعض اللّحظات في صعودي الأخير الى القدس، حيث تألّمتُ، وخفتُ وارتعبتُ عندما رأيتُ ساعةَ الصلب تقترب.


" كن واقعيّا. فلا شئ يحدث في الانسان بشكل تلقائي. التكوين يعني العملَ والتعب والارتداد الدائم الى الله، وحتى الموت... المهم أن تحبّ دعوتك حبا جنونيّا. تعلّم أن تُحب، أن تُحبّ تحقيق هدفك، لأنه جميل بشكل لا يوصف، وإن أحببتَه أصبح قريبَ المنال ومبعثًا للفرح. وإن شعرتَ بحب غارم لما أنت مدعوّ اليه، عندئذ ستفهم معنى آلامي، وستصبح حياتُك خلاصًا للكثيرين.


"لا تغضب أمام محدوديّتك. فقوّتي تظهرُ في ضعفك. المهم ألاّ تضع حدودًا لما أريده أنا منك. لا تظنّ ان ما أريده منك يقف عند مقدراتك أنت، فهذا أمر قليل. أريد أن أجعلَ منك نبيّا، رسولاً، صديقًا لله وللبشر. لا أريد أنسانا خاضعا يعمل فقط ما يُطلب منه، ويقوم فقط بما هو متأكّد من نجاحه، فيعيد نفسه ويكرّر أقوالَه وأعماله، خوفًا من الفشل.


"لا تخف من صعوبات الزمن الحاضر، ولا من مقاومة الحضارة السائدة. فهي أيضا موضوع تقديس. لا تخف مَن ليس له سلطانٌ على قلبك أو على حرّيتك. ألم أُحرّرك أنا بسفك دمي من أجلك على الصليب؟ لذا، لا تَهِنّي بأن تَبيع حريتَك "بطبق من العدس". كُن غيورًا على حرّيتك. فهي ليست فضيلة، هي أكثر من فضيلة. هي التي تجعل أيّ عملٍ حسنًا. فبدون الحرية، لا توجد فضيلة ولا تكريس ولا محبة ولا بتوليّة. أظهر لأترابك أن تكريسَك يحرّرُك، وأن كونَك فقيرًا ومطيعًا وعفيفًا لا يحدُّ من شخصيتك بل يحقّقها بشكل أكمل، وأن إعراضَك عن بعض متطلّبات الطبيعة البشرية هو تعبيرٌ عن حريّة أكبر لمحبة البشر بقلب الله وحريّته. وممارسة الحرية هذه تفتحُ أمامك عالم الجمال الإلهي. عندئذ تصبح خلاّقا وتؤثّر في قلب من يسمعُك.


"كن فنّانَ تكريسِك. لا تكتف بتكرار ما يقوله غيرُك. كن شاعرًا او رسّامًا او موسيقيّا. كن قادرًا على أن تتكلم عن دعوتك بكلمات جذابة، ملوّنة، حيّة، خلاّقة، بحيث تُلهب في أبناء جيلك مشاعر الدهشة والإعجاب.


"لمَ الخوف من المستقبل؟ حسنٌ أن تكون حذرًا وأن تعرف إمكانياتك الحقيقيّة، لكن لا تُبالغ في الحذر... كما فعل داود النبي عندما قام بإحصاء الشعب. ولا تثق أكثر من اللزوم ببرامجك ومخطّطاتك الشخصية. لا تصدّق انبياء الشؤم، فهم كذّابون. تذكّر أن الروح القدس هو الذي يقود الكنيسة والتاريخ، والروح يهبّ حيث يشاء وكيفما يشاء. قل ذلك من وقت لآخر لرؤسائك، دون أن تأخذ موقف مَنْ يريد أن يعلّم مَن هم أكبر منه....! "كن متفائلاً. وليكن تفاؤلك نابعًا عن الايمان الذي يرجو، وعن الرجاء الذي يحلم. فإن لم تحلموا أنتم الشباب، فمن سيرى الرؤى؟ ولمن أوجّه كلمتي التي تقيم الأنبياء، وتؤهّلهم لأن يحوّلوا الحلم الى حقيقة؟ حافظ على شبابك. إبقَ شابًّا. لا ترمِ شيئًا من شبابك، لأن حياة التكريس شابّةٌ من طبيعتها. هي حياة الكنيسة التي لا تهرم أبدًا. ليكن قلبُك دومًا قلبَ شاب، قادرًا على المحبة، محبة الجميع، ابتداء بالأشخاص المكرّسين المتقدمين في السن الذين أنت مدينٌ لهم بعرفان الجميل، الى شباب جيلك خارج عالم التكريس والذين ينتظرون منك شهادة فرح في حياتك المكرّسة.


"أهرب من الحزن هروبك من الشيطان المجرّب. ولا تأخذ نفسك كثيرًا على مَحْمَل الجدّ. فأنا لا أطلب منك ان تخلّص العالم كلّه، حاولت قبلك ولم أنجح.... لكن إن أعطيتني أرغفتك الخمسة وسمكتيك، أي كيانَك وكلّ ما تملك، عندئذ نستطيع أنا وأنت وإخوانك ان نصنع العظائم.


"لتكن عيناك شابّتين ثاقبتين كي تقرأ داخل قلب البشر، وكي ترى في عمقه صورتي يوم الخلق. لا تستثنِ أحدًا. فأنا مُرسلك الى الجميع، مع أفضليّة للفقير والمحروم والمهمّش والمسكين واليتيم. تعلّم ان تشفق وأن تكون رحيمًا. لا تنغلق على نفسك، ولا تفكّر فقط كيف تقدّس نفسك وحدَك. لا تحدّد أهداف حياتك فقط بما يخصّك أنت أو يخصّ رعيتك او جماعتك الرهبانية. فالأمانة للتكريس لا تقتصر على "المحافظة على القوانين" بل تعني أيضا مقاسمة الآخرين في هباتك ومواهبك. فلا أحد يدخل السماء وحده...
"وإن كان مسموحا لله أن يحلم، هل تريد ان تعرف ما هو حُلمي؟ ان تكتشف الكنيسة، شعبي المحبوب، دعوة المؤمنين كافّة الى حياة القداسة والشهادة من خلال حياة التكريس الخاص ومن خلال النعم والمواهب الخاصة بكل عائلة رهبانية. ينبغي أن تكون الحياة المكرّسة علامة لما يجب أن يكونَه وأن يعيشه كلّ مؤمن كلّ يوم.

 ينبغي أن تصبح المشورات الانجيلية الطريق الذي يسلُكه جميع البشر ليعيشوا في أمانة لنعمة الخلاص، وليقوموا بواجبهم في بناء ملكوت الله، كلّ من موقعه وحسب قدراته.

"وكي يحصل ذلك، يجب ان تُعطي حياة التكريس شهادة قداسة جماعية. يجب ان تَعرض على البشر أنماط حياة جماعية ممهورة بالكمال الانجيلي. فالقديس المتوحّد أمرٌ ممكنُ لا شك، لكن الخوف هو أن يكون خطًّا منفردا. الجماعة هي التي تشهد أن القداسة أمرٌ في متناول الجميع. الجماعة هي المكان الوحيد الذي يمكن العيش فيه في الاختلاف وتنوّع المواهب والقبول المتبادل وفي الرحمة والفرح.

 تخيّل كم سيكون جميلا إذا طوّب البابا في الألفية الثالثة جماعات رهبانية بأكلمها، وليس أشخاصًا مكرّسين ومنفردين، جماعاتٍ عاشت تكريسَها حسب موهبتها الخاصة، وساند أعضاؤها بعضهم بعضًا، وعاشوا معا حياة النعمة والمغفرة. هذا حلمٌ من أحلامي أضعُه بين يديك. تكلّم عن ذلك مع غيرك، وإن لم يصدّقك، قل له أني أخبرتُك أنا ذلك...


"وكي يتحقّق هذا الحلم، كن شاكرا لهبة دعوتك، ولكنيستك او جماعتك الرهبانية لأجل كلّ ما أعطتك وما زالت تُعطيك. لا تكن كاليهودي الذي بعد أن عبر البحر الأحمر سيرًا على الأقدام، عاتب موسى النبي لأنّه أصيب"بالزكام" بسبب الرطوبة... احذر زكام نكران الجميل. دع الآخرين يحبونك، وكن لهم شاكرا. واذكر انك مهما أعطيت لإخوانك ولجماعتك، فلن تردّ جميلَهم عليك. لا تخف من الاستشهاد، لأن الأسباب التي كانت تحول دون الاستشهاد ماتت...


"هوذا بنيامين الصغير، قائد رؤساء يهوذا" (مزمور 68، 28). في مسيرة الألفية الثالثة، عليك أنت أيّها الراهب الشاب (بنيامين) أن تقودَ المسيرة....


 

الدعوة ... حوار بين حرّيتين ج1

الدعوة الى الايمان ج2

الدعوة الى الحياة المكرّسة ج3