سجل الزوار

 اضفنا للمفضلة

اتصلوا بنا

الرئيسية

 

قم من بين الأموات يضيء لكَ المسيح

 

 

نتابع في هذا القسم الآخير من كتاب أزهار الوردية، كيف عاشت الطوباوية ماري الفونسين أسرار المجد في حياتها اليومية.

تركت الراهبة ألفونسين يافا الناصرة، وأُرسلت مع الأخت اليزابيت إلى بلدة بيت ساحور.  بلدة الرعاة القريبة من بيت لحم، وذلك في اليوم الأول من تشرين الثاني سنة 1886. فوجدتا  البيت الذي وُضع تحت تصرفهما على حالة من الخراب يرثى لها. فأقامتا في بيت صغير ضيق لمدة من الزمن استقبلهما أهل البلدة بفرح بالغ وتوافدت عليهما الفتيات ليستقين العلم على أيديهما، ففتحتا لهن مدرسة؛ لجأ إليهما المرضى بعدد  كبير فعالجتاهم وبذا أتيحت الفرصة للراهبة ألفونسين لتعمد أطفالاً مدنفين.

وهكذا كانت تجمع بين أعمال المحبة والرحمة،  الجسدية منها والروحية في آن واحد.

اندفعت الراهبتان إلى تتميم رسالتهما السامية بروح عالية قوية بالرغم من العقبات التي اعترضتها. فقد حدث ذات ليلة، بينما كانت الراهبة ألفونسين تسهر إلى جانب رفيقتها المريضة، أنهما سمعتا صوت ضربة شديدة على الباب. فارتعدت فرائصهما واستودعتا نفسيهما في أيدي مريم العذراء والقديسين يوسف وانطون. ثم عرفتا فيما بعد أن ضبعاً كانت قد قفزت في بستان الدير وأسقطت قسماً من سوره. فشكرتا الله على أنه لم ينالهما إلاّ الرعب.

حُرمتا مراراً أهم ضروريات الحياة، كالماء والخبز. فسرعان ما كان ماء بئرهما الصغير ينضب وتضطران إلى طلبه من الجيران أو إلى شرائه من عين الماء التي في ارطاس؛ أما لقمة الخبز التي ترسلها لهما الأم روزالي فكانت تُسرق وهي في طريقها من القدس إلى بيت ساحور. وهكذا كانتا تتحملان هذا الصوم الإجباري متكلتين على العناية الإلهية.

ومن جهة أخرى كانت حالة بيتهما شغلهما الشاغل؛  ولا بدّ من إصلاحه في أسرع وقت حتى تتمكنا من القيام برسالتهما بملء الحرية. فانصرفتا حالا إلى العمل بثقة وشجاعة مكنتاهما من إنهائه على أحسن وجه ممكن.

وفي اليوم نفسه الذي فيه دخلتا بيتهما الجديد تلقت الأخت ألفونسين أمراً بالسفر إلى مدينة السلط في شرقي الأردن لدعم الرسالة فيها بافتتاح مدرسة للفتيات.

وفي اليوم الثالث والعشرون من شهر شباط سنة 1887 توجهت إلى السلط قافلة صغيرة تضم الراهبات روزالي وألفونسين وروز وماتيلد والمعلم يعقوب الصاع وأربعة رجال لقيادة البغال التي تنقل متاع المسافرين. ولما اقتربوا  من أريحا سقطت الأم روزالي عن دابتها وانحرفت كتفها عن موضعها. فلجأوا إلى أحد شيوخ البدو في تلك المنطقة فقبلهم في بيته وأكرم لقياهم. ودعا أحد المجبّرين لمعالجة كتف الرئيسة.  ووضع تحت تصرّفها خيمة تقضي الليل فيها. ثم أنه تبعاً لعادة إكرام الضيف ذبح لهم خروفاً وقدّم إليهم حليبا في " كِعِد" ( صحن خشبي ) وأضرم نارا لإبعاد الحيوانات الضارية... عرضت عليه "الملائكة" – أي الراهبات، كما دعاهم الشيخ نفسه شيئاً من مؤونتهن: فالتهمها وتلذّذ بها مع آل بيته. وجلست امرأته[1] إلى جانب الراهبات تنفث دخان غليونها الطويل حتى أمتزج بدخان النار وملأ الخيمة. وزاد  في الطين بلّة انهمار مطر شديد عمّ المنطقة وتسرّب إلى داخل الخيمة. وبلّل الراهبات. ولما أنبلج الصبح جلست امرأة الشيخ تهيئ  القهوة والحليب على الجمر المتبقي من النار بينما راحت الراهبات يجففن ثيابهن وبعد تناول طعام الفطور أعار الشيخ الرئيسة فرسه الأصيلة لمواصلة السفر إلى السلط وأصحب القافلة أحد ابنائه حتى بلغت السهل[2].

وصلت القافلة إلى السلط فخرج كاهن الرعية ونائبه وممثلون عن سلطات المدينة لاستقبالها. وما أن حلّت الراهبات في البيت المخصّص لإقامتهن _ وكان أشبه بقبو تحت الكنيسة _ حتى افتتحن مدرسة ضاقت بطالباتها المئة والست والأربعين: ثم أخذن يجمعن النساء في أخويات بلغ عدد أعضائها في وقت قصير 68 عضواً. أما الرجال فكانوا أصعب مراساً: فمضاربهم بعيدة عن البلدة والكنيسة، وبالتالي عمّ بينهم جهل أمور الدين والأخلاق المسيحية السامية. وكان الكاهن يزورهم مرتين في السنة أو ثلاثاً في حين أنهم ما كانوا يدخلون الكنيسة إلا مرّة واحدة في عيد الفصح.

وقد اطلعت الراهبات، في أول عيد فصح احتلفن به في السلط، على أمور غريبة جداً تحدثت عنها الأخت  ألفونسين  في إحدى كتاباتها. ففي صباح أحد الفصح المجيد  توافد "بنو الصحراء" من كل جهة وجاءوا إلى "المدينة" وما استطاعت الراهبات أن يصدّقن ما رأته عيونهن في الكنيسة حيث تقدم الكثيرون إلى تناول القربان الأقدس بدون اعتراف أو سابق استعداد، ودخل بعضهم تواً من باب الكنيسة إلى المائدة المقدسة وتناولوا ثم انصرفوا وشأنهم وآخرون تناولوا عدة مرات. وبعد انتهاء الصلاة سألت الراهبات النساء والبنات قائلات:

_ متى اعترفتن بخطاياكن؟

_ فأجبن: وما هو الاعتراف؟

_ إذاً هل صُمتنّ منذ نصف الليل؟

_ إننا لا نعرف شيئاً عن الصيام من نصف الليل. بل إننا قد تناولنا فطوراً صيامياً أعني خبزاً وسماقاً ولم نفطر كغيرنا لبناً وجبناً.

 

حينئذ شرعت الراهبات يشرحن لهن أهم حقائق الإيمان الكاثوليكي والطريقة الصحيحة لقبول الأسرار. فلم يفهمن كيف يستطيع الكاهن أن يغفر الخطايا ورفض في أول الأمر أن يعترفن. لكن لما رأين الراهبات منطلقات إلى الكنيسة ألتفّت النساء حولهن وتمسكن بثيابهن وقلن:

_ اسمعن اعترافنا أنتن. إما للراهبة فنُقرّ بكل خطايانا، وإما للكاهن فلا نقرّ بها. إن ثوب الراهبة أسود فيلزمها أن تسمع اعترافنا.

 وقالت إحداهنّ مرة: ها أنا ذا اعترف لك بكل ما صنعت: سرقت شيئاً ما من أجل إطعام طفلتي هذه: ضربت الآخرين وشتمتهم وقلت عنهم كلام سوء: إني ابغض امرأة أخي ولا أسامح أعدائي أبداً.

ولم تجد الراهبة إلى إسكاتها سبيلاً. وإذا ما تلت الراهبات فرض العذراء في الكنيسة دعت النساء جاراتهن وصديقاتهن قائلات: تعالين، أسرعن لقد ابتدأ قداس الراهبات: فهذا يمكننا أن نفهمه لأنه باللغة العربية!

وكانت العادات البدوية تفرض على النساء تحفظاً شديداً في مخالطة الرجال الغرباء وفيهم الكاهن. وبناء عليه كان وصول الراهبات إلى السلط أمراً ضرورياً لتثقيف النساء وتربيتهن التربية المسيحية . فبعد انقضاء عيد الفصح أخذن يدعون النساء إلى تناول طعام الفطور معهنّ بعد حضور ذبيحة القداس أيام الأحد، وبعدئذ يلقين عليهن مبادئ التعليم المسيحي وأسس التعبّد لمريم العذراء. وقد أعلنت الراهبات حرباً لا هوادة فيها على بعض العادات القبيحة المتفشية هناك، منها انتحار النساء. على اثر نزاع أو في ساعة غضب إما بإلقاء ذواتهن في بئر وإما بشنق أنفسهن على شجرة.

 

وحدث مرة أن بعض الطالبات خرجن إلى البّر لتلاوة السبحة الوردية بصوت مرتفع، ظناً منهن أنه هكذا يبلغ السماء فيستجيب الله أكثر لصلاتهن وإذا بهن يشاهدن امرأة لا تزال معلّقة. فتسلق بعضهن الشجرة وقطعن الحبل فأنزلنها. ولما كانت المسكينة لا تزال في قيد الحياة جئن بها إلى الراهبات حيث عملن على إنعاشها وإسعافها. فكشفت النقاب عن كونها امرأة كاثوليكية لم تتفق مع حماتها فآثرت الموت على احتمالها مدة أطول وهكذا  استعانت مريم العذراء بسذاجة فتيات متعبّدات لسلطانة الوردية  لكي تنقذ امرأة بائسة.

 

عمّ جهل أمور الدين في تلك البلاد فانتشر السحر واستعمال "الحجب" بحثاً عن مفقود أو معالجة لمريض. فكثر السحرة والمضلّون وتحكّموا في تصرفات الشعب البسيط.

 

وسادت البلاد عادات أخرى ترافق الزواج من شأنها أن تحطّ من كرامة المرأة كعادة المهر الذي يساوم عليه ذوو الخطّيب والفتاة المطلوبة من غير أن يستشيروها[3].

 

لم يكن سهلا على الراهبات اقتلاع مثل هذه العادات الراسخة في عقول الناس. فحاولن أن يخففن على الأقل من وطأتها؛ وبذا يفسحن المجال لسير هذه النفوس الغارقة في حمأة الجهل نحو النور والقيامة الروحية.

 

ولما بدأ نور المسيح يضيء لهذه النفوس ويمهّد العقبات أمام العمل الرسولي، صَدَرَ من القدس أمر بنقل الراهبة ألفونسين إلى نابلس. وهناك حاولت لمدة سنتين أن تؤدي شهادتها بحياة مسيحية مثالية غلب عليها اللطف والوداعة. فقد انحصرت رسالتها بالإشراف على مدرسة صغيرة جلست فيها. جنبا إلى جنب، فتيات كاثوليكيات وأرثوذكسيات ومسلمات وسامريات. وكأن الله شاء لألفونسين أن تواصل ما بدأ به السيد المسيح مع المرأة السامرية على حافة بئر يعقوب، في تلك المنطقة نفسها. إلا أنها سرعان ما أصيبت "بالحمى الصفراوية" فعادت إلى مدينة القدس قصد الاستشفاء والاستجمام.

 

 

??????

إلى هنا تنتهي هذه البرهة من حياة الراهبة ألفونسين التي تذكّرنا  بمعركة السيد المسيح مع سلطان الظلمة والموت  وبانتصاره عليه. كما خلصنا الفادي الإلهي من موت نفوسنا بقيامته ونعمته. كذلك عملت الأخت الفونسين حينما اتجهت على بعث نور المسيح ونعمته في النفوس الضالة.


[1] جدير بالذكر أن اسم المرأة الشيخ كان " مهرة" . فيمكننا أن نتصور حيرة الراهبات وخوفهن عندما قال لهن الشيخ : الآن ارسل لكن المهرة لتبقى عندكن طول الليل !

[2] لم يقبل الشيخ أية مكافأة من الراهبات لكن الأخت الفونسين تقول: بعد شهرين أتى إلينا مع  امرأته المهرة وحينئذٍ كافأتاه حسب عادة أهل تلك البلاد.

[3] ينبغي لنا ألا نستهجن هذه العادات ونحن نعيش على بعد قرن من الزمان. ثم ماذا نقول أذا ذكرنا أننا نجد اليوم أيضا،  بين من كانوا أكثر حضارة ومدنية،  أمثال هذه العادات كاللجوء إلى السحر واستعمال الحجب وغير ذلك؟

 

أخــذ يسوع وجلــده ...

ضفروا إكليلاً ... وكللوه به ... وهزأوا به